مبادرة خطباء المساجد

بيت الحكمة | ٢ يناير ٢٠١٢ بيت الحكمة

فتحت الثورة المصرية أبوابا واسعة للمشاركة السياسية أمام تيارات كانت قبل ذلك محظورة ومبعدة عن دوائر صناعة القرار في مصر، من أهمها التيار الإسلامي بفصائله المختلفة، والتي تتفاوت من حيث خبراتها السياسية، ومن حيث مشاربها ومدارسها الفكرية، ومن حيث قوتها وحجم تأثيرها في الشارع المصري، ومن حيث مواقفها من القضايا الرئيسة المطروحة على الساحة، والرامية لضمان انتقال آمن لسلطة تعبر عن إرادة وهوية ومصالح الجماعة الوطنية المصرية.

وقد شهدت الأشهر القليلة الماضية صعودا كبيرا للحركات الإسلامية، تجلى في بعض المظاهرات التي دعوا إليها، وفي عدد الأحزاب التي أنشأتها فصائل هذا التيار، وأعداد المنضمين إليها، وبقي القاسم المشترك الأعظم بين هذه التيارات المتباينة هو التأكيد على مركزية دور الإسلام في تشكيل وحدات الانتماء السياسي، وفي صياغة الإطار التشريعي، وفي ضبط الإطار القيمي للمجتمع.

وقد واكب هذا الصعود السريع للحركات الإسلامية على مستوى الشارع نمو خطاب مواز يخشى هذا الصعود، ويدعو للفصل التام بين الدين والسياسة، بعض ذلك كان بسبب بعض تصرفات الإسلاميين التي رأى فيها هؤلاء ما يدعو للقلق ويعبر عن قلة الخبرة والمعرفة، وبعضه بسبب مواقف مسبقة من قضايا الهوية والانتماء، وقد اشتبك الخطابان – الداعي للوصل التام بين الإسلام وتفاصيل الممارسات السياسية، والداعي للفصل التام بينهما- في غير موضع في القرارات السياسية، وفي البرامج الحوارية، وفي الندوات وغير ذلك.

ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، أنتج هذا الاستقطاب ظاهرتين تمثل كل منهما خطرا كبيرا على استقرار الوطن وسلامه الاجتماعي من جهة، وعلى تصورات المصريين عن الدين وعلاقتهم به وبعلمائه من جهة أخرى، فأما أولى الظاهرتين فهي انتقال الاستقطاب من الساحات السياسية إلى الدينية، وتحول بعض منابر المساجد – بدرجات متفاوتة- إلى أروقة دعاية انتخابية لمرشحي التيار الإسلامي مع تأكيد أن غيرهم من المرشحين إنما يريدون سلخ الوطن من هويته الإسلامية التي تشكل جزءا رئيسا من وعي أبنائه وتصوراتهم الحضارية بقطع النظر عن هويتهم الدينية أو تدينهم، وأما الظاهرة الثانية فهي تحول المساجد إلى منابر حزبية تمايز بين مرشحي التيار الإسلامي وتدعو لانتخاب مرشح أحد هذه الفصائل على حساب المرشحين الآخرين، بما يعني انتقال المساجد من الدعوة للفكرة الإسلامية العامة، للدعوة للحركة الإسلامية خاصة، ثم الدعوة لأحد فصائلها على وجه التحديد.

وهذا التغير في خطاب المساجد له آثار سلبية عديدة، منها نفور الناس من الدين كما بدا واضحا في خطب الجمعة خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي شهدت قيام أعداد من المصلين بترك المسجد أثناء الخطبة لإصرار الخطيب على الخوض في تفصيلات المنافسة السياسية، ومدح مرشحين بعينهم والقدح في آخرين، ومن الآثار السلبية كذلك انشغال الدعاة عن الفاضل بالمفضول، وعن واجب الوقت بغيره، وذلك بابتعادهم عن دورهم في توعية الناس بأهمية المشاركة السياسية، وبواجبهم تجاه أوطانهم، وكيفية بناء الوعي واتخاذ القرار، والقفز مباشرة إلى الدعوة لاجتهاداتهم السياسية في موطن يفترض فيه أن يقوموا بمهمة الوعظ والإرشاد الديني.

في هذا السياق قام مركز بيت الحكمة للدراسات الاستراتيجية بتنظيم ورشة عمل لمناقشة مسؤولية خطباء المساجد في ضبط الخطاب الإسلامي خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وقد شارك في الندوة متخصصون في العلوم الشرعية والعلوم السياسية ومهتمون بالشأن العام ليتحاوروا حول صياغة أولويات الخطاب وضوابطه الشرعية والوطنية، فكان هذا التقرير الذي يعرض أهم نتائج الورشة، ويضعها في ثلاثة أقسام، أولها القضايا الرئيسة ويتناول أهم الموضوعات التي طرحت في ورشة العمل، والموقف حيالها، وثانيها مقترحات لخطب الجمعة ويشمل عرضا لبعض النقاط الرئيسة المطروحة في الورشة وترتيبا لها في صورة خطبتي جمعة بحيث يمكن للسادة المشايخ الاستفادة بها، وثالثها الفتاوى والأسئلة الأخرى، وتقدم عرضا للأسئلة الرئيسة المتوقع طرحها على الأئمة مع تقديم الإجابات الشرعية عنها إما عن طريق الوثائق والفتاوى الرسمية الصادرة عن دار الإفتاء المصرية، أو عن طريق الفتاوى الصادرة عن كبار العلماء من أبناء الأزهر الشريف ومنهجه.
اضغط هنا لتحميل التقرير