كيف يرسم الرئيس خارطة الطريق؟

د. أحمد عبد ربه | ٢٨ يناير ٢٠١٣ د. أحمد عبد ربه

كنت فى مقالتى السابقة أحاول استخلاص أهم الحقائق السياسية التى خلصنا إليها فى مصر عام ٢٠١٢ نحو هدف أسمى وهو وضع سيناريوهات لمستقبل البلاد. وفى هذه المقالة وأخريات لاحقات، سأحاول وضع ملامح خارطة الطريق للمؤسسات والفواعل والمشاريع السياسية فى مصر قبل الولوج إلى وضع ملامح هذه السيناريوهات، عن طريق تحديد أهم التحديات التى تفرضها طبيعة الظروف السياسية كى يحدد صناع القرار موقفهم منها قبل وقوعها حتى لا تستغرقهم جزئياتها الآنية فتضيع الصور الكلية للمشهد ويغرق الجميع فى فك لوغاريتمات اللحظة!

•••
لو كنت فى موقع يسمح لى برسم ملامح خارطة لطريق الرئيس فى العام الحالى، فسأضع نصب عينه خمسة تحديات كبرى عليه أن يجد إجابات لها ويحدد موقفه منها الآن وليس لاحقا:

• الموقف من الثورة والثوار: يبدو لى أن الرئيس تسرع قليلا فى إعلان إنتهاء الشرعية الثورية والولوج إلى الشرعية الدستورية بإعلان موافقة الشعب على دستور ٢٠١٢. صحيح أن عددا من المؤسسات يتم بناؤها الآن بعد موافقة الشعب على الدستور، إلا أن ملفات الثورة لا تزال (وستظل لفترة فى تقديرى) مفتوحة، وفى مقدمتها قضايا القتل العمد الذى ارتكب فى حق أبناء هذا الشعب منذ تنحية مبارك وحتى الآن وقد تم تبرئة أغلب من تم اتهامهم ليبقى الطرف الثالث خفيا ومستعصيا على الفهم. ينسحب هذا أيضا على قضايا القتل التى ارتكبت فى أحداث غير ثورية (كحادث استاد بورسعيد) والذى شئنا أم أبينا ينضم لقضايا قتل الثوار ويتعلق بملف العدالة الانتقالية بمفهومه الأوسع إذ إن دماءً أريقت ولم يتم عقاب المسئول عنها. لا يكفى الرئيس هنا تشكيل لجان لتقصى الحقائق أو إقالة النائب العام وتعيين آخر، ولكن يلزمه إجراءات قانونية لإعادة المحاكمات، وسياسات عملية لتعقب الجناة وخطاب أكثر انفتاحية وثورية يؤكد فيه للشعب أن الملف لا يزال مفتوحا وأنه على قائمة أولوياته! يحتاج هذا إلى توسيع وإعادة هيكلة دائرة الاستشارات القانونية والسياسية المحيطة بالرئيس وقد ثبت أن إجراءات قد تم اتخاذها مسبقا فى هذا الصدد (فى حدود الدائرة الضيقة لصنع القرار) لم تحسم الأمور!

• إعادة هيكلة المؤسسات: سيكون مطلوبا أيضا من الرئيس أن يحدد خطة عمل مبكرة لإعادة هيكلة مؤسسات القضاء والداخلية بل ومؤسسة الرئاسة نفسها. وإذا كان الرئيس قد اتخذ بعض الخطوات بالفعل فى إعادة هيكلة المؤسستين الأول (وعليه أن يكمل المشوار خاصة أن ما أعلنه وما اتخذه لم يفض إلى نتائج ملموسة بعد)، فإن عليه أن يعيد وفورا هيكلة المؤسسة التى يعمل بها، فالأخيرة منذ إنشاء الجمهورية (١٩٥٢) وهى ذات طبيعة أمنية بامتياز، يغلب عليها العمل السري والمركزي، وعلى الرئيس أن يعيد ترتيب الأوراق داخل دولاب العمل بها فتصبح أكثر مدنية ومرونة وشفافية من ذي قبل. إن إعادة رسم علاقة المؤسسة بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وإعادة صياغة العلاقة بآلاف الموظفين العاملين تحت لوائها، بالاضافة إلى إنشاء وحدات لدعم واتخاذ القرار وإدارة الأزمات بداخلها أصبح ضرورة لبناء الجمهورية الثانية التى طالما تحدث الرئيس عنها كثيرا…فهل يفعلها الرئيس؟

•••
• العلاقة بالجماعة: ثالث أكبر قضية سيواجهها الرئيس فى ٢٠١٣ وعليه حسمها فورا والتفكير فيها من الآن، فوضع الجماعة على أهميتها وتأثيرها فى المشهد السياسى ما زال ملتبسا، فلا هى التى تحولت إلى حزب، ولا هى التى قننت أوضاعها مما يسبب لغطا شديدا وإحراجا أشد لرئيس الجمهورية الثانية المنوط به تطبيق القانون! أحترم الرئيس بشدة حينما يعلن أنه ابن للجماعة ولو أنكر ذلك ما صدقته، كما أعلم حرجة تجاهها كون أن أمر ترشيحه وحسم المقعد الرئاسى له قد جاء بقراراتها وتخطيطها ودعمها، إلا أن عدم حسم الأمر بتقنين وضعها خلال ٢٠١٣ سيضع مصداقية الرئيس دوما على المحك!

•••
• العلاقة بالحكومة والبرلمان: لأول مرة فى تاريخ مصر ستعبر الحكومة عن أغلبية برلمانية وتوازنات حزبية بعيدا عن السلطة المطلقة للرئيس فى تعيينها، وستكون السلطات التنفيذية وللمرة الأولى مناصفة بين الرئيس وحكومة البرلمان وهو وضع لم تعتده مصر ولم يعتده القصر الرئاسى، واحتاجت فرنسا سنوات حتى استقرت على توازن فى العلاقة بين الرئيس والبرلمان والحكومة بينهما! على الرئيس ومن الآن التفكير فى شخصية رئيس الوزراء لو حصل حزبه على أغلبيه مريحة لتشكيل الحكومة، كما عليه أن يضع سيناريو آخر لتشكيل حكومة ائتلاف بين حزب الأكثرية وبعض الأقليات المؤتلفة.. من سيرأس الحكومة؟ من سيحمل حقائبها؟ من سيتم الائتلاف معه؟ ليس صحيحا أنها أسئلة مبكرة أو فى غير ميعادها، فنص المادة ١٣٩ من الدستور شديد التعقيد وسيؤدى إلى تأزم الأمر بين الرئيس والبرلمان وخاصة فى حالة عدم حسم حزب الحرية والعدالة للأغلبية وهو سيناريو قابل للتحقيق ويتطلب بدائل لسرعة الحسم قبل تأزم الأمور وقتها!

•••
• العلاقة بالمعارضة والمهمشين: رئيس الجمهورية فى النظم الرئاسية والمختلطة هو أيضا رئيس للدولة ورمز وحدتها وسيادتها. بدا لى الرئيس مرسى وقد تصرف بشكل رأس السلطة التنفيذية المقيد بمواقف حزبه فقط وهو أمر قد يكون مقبولا ومفهوما فى الدول البرلمانية، أما فى مصر فقد صنع نظاما مختلطا ما زال يحتفظ فيه الرئيس برونق رأس الدولة، وهو أمر يتطلب من الرئيس تعاملا بسياسة ومنطق مختلف مع المعارضة، فعليه من الآن وضع خطة حقيقية ليس فقط للتحاور معها، وإنما لدمجها وبحق فى العملية السياسية من خلال آليات وتشريعات وسياسات تمكن الجميع من الاندماج فى العملية السياسية كما يقتضى الأمر فى أى دولة ديموقراطية، يحتاج الرئيس ومن الآن إلى إعادة رسم خطته وملفاته تجاه الأقباط والمرأة والشباب فهى فئات همشت وما زالت، ولو ترك الأمر لآلية الانتخابات الجامدة وما تقتضيه من أغلبية ستنعزل هذه الفئات بشكل فج وستمثل عبئا حقيقيا وتقويضا صريحا لحكم وشرعية الرئيس.

شئنا أم أبينا، أيدنا أو عارضنا الرئيس مرسى فإن مستقبل مصر يتأثر سلبا وإيجابا بحكم الرجل وسياساته فى الفترة الآنية، وهو ما يتطلب منه أن يرسم خريطته من الآن، مطورا من أدائه وسياساته وخطابه ومعيدا التفكير والتخطيط فى المواضيع سالفة الذكر لرسم خارطة لطريقه ومستقبله ومعه مستقبل البلاد.. الآن وليس لاحقا يا سيادة الرئيس!