مستقبل الثورة بين مسارين: «البشرى» و«البرادعى»

د. معتز بالله عبد الفتاح | ١٦ يونيو ٢٠١٢ د. معتز بالله عبد الفتاح

أرجو أن نخرج بسرعة من حالة «التلاوم»، أى أن يلوم بعضنا البعض الآخر، إلى حالة استيعاب ما حدث ولماذا حدث.

لا شك أن هناك أخطاء عديدة وقعنا فيها جميعا، ولا أستثنى نفسى ابتداء.. وكلها تنبع من أنها «ثورة فى مجتمع محافظ»، كمن يعزف موسيقى أجنبية حديثة بأدوات تقليدية محلية، فلا شك أن المنتج النهائى لن يكون هو المنتج الوافد ولا هو المنتج المحلى.

أبدأ بتشخيص ما حدث.

مصر كانت أمام مسارين ويمكن لى اختزالهما فى عنوانين: مسار «البشرى» ومسار «البرادعى». أما مسار البشرى فهو المسار الذى اختاره المصريون فى 19 مارس 2011، والتزم المجلس العسكرى بنصفه ونال من نصفه الآخر بإصدار الإعلان الدستورى مرة ثم تأجيل الانتخابات مرة ثم الاستجابة لمطالب القوى الحزبية التى طالبت بأن تكون كل الانتخابات بالقائمة النسبية دون مساحة للانتخابات الفردية وصولا إلى صيغة الثلث والثلثين.

فكانت طلبات «ثورية» فى مجتمع، ومعه دولة، لم يزالا يسيران على القواعد المحافظة المستقرة من عقود. وما يذكر أن «مسار البشرى» كان قائما على تعديل دستور 1971 كى يكون هو دستور المرحلة الانتقالية لمدة عام يتم فيه عمل دستور جديد للبلاد، ومع هذه التعديلات الدستورية كانت هناك أربعة قوانين لمباشرة الحقوق السياسية ولانتخابات مجلس الشعب وانتخابات مجلس الشورى والانتخابات الرئاسية. وأهم ما كان فى قانونى انتخابات مجلس الشعب والشورى هو أن تجرى الانتخابات بالنظام الفردى. ولما اتسعت الاجتهادات ودخلنا فى جدل أيها دستورى وأيها غير دستورى، تحدثت بإسهاب عن اقتراح للمستشار أحمد مكى بشأن تبنى «نظام القائمة النسبية المفتوحة» والتى ما كانت لتأخذنا فى اتجاه حل مجلس الشعب وكانت ستوفر الكثير من الجهد والجدل وستحقق العديد من منافع «القائمة النسبية» التقليدية.

وكانت مزية هذا المسار، لو التزمنا به، أنه كان سيخرج المجلس الأعلى للقوات المسلحة من اللعبة السياسية بسرعة نسبية خلال العام الماضى، وتترك اللعبة السياسية للمدنيين.

أما مسار «البرادعى»، فهو رمز لعدة اقتراحات، كلها جيدة، ولكنها ظلت بعيدة عن التطبيق المباشر إما لأسباب تتعلق بعدم تكامل الرؤية أو عدم توافر الشروط الموضوعية لها. وكان هذا المسار يفترض فى أحد جوانبه إمكانية تكوين «مجلس رئاسى مدنى» من عدة أشخاص بتوافق معين، من الواضح صعوبته، بحيث تنتقل مقاليد الدولة إلى هذا المجلس. ولكن أقوى ما فى هذه الفكرة أن يتم انتخاب (أو ربما التوافق مرة أخرى) مجلس انتقالى مثلما هو الحال فى تونس الآن من أجل كتابة الدستور وتشكيل الحكومة (ربما تحت إدارة المجلس الرئاسى، أو كبديل عنه) قبل الانتخابات التشريعية. وهذه الفكرة ليست بالضرورة معيبة، ولكنها كانت مرشحة لتفجير الأوضاع لأن التوافق المفترض ليس مضمونا تجاه قضايا صراعية فى نخبة سياسية متشرذمة، فضلا عن احتمال أن تؤدى الانتخابات إلى تركيبة مشابهة لتركيبة مجلس الشعب.

المعضلة لم تكن فى مسار «البشرى» ولا فى مسار «البرادعى».. المشكلة فى أننا «تحسبُنا جميعا وقلوبُنا شتى». أزعم أن كلا المسارين كان جيدا بشرط أن نلتزم به كاملا؛ فلا يمكن أن أقود سيارة بكتالوج عمل السفينة.

وأسوأ ما حدث خلال الفترة الماضية أن أنصار كل مسار سعوا باجتهاد لإخراج القطار عن المسار الآخر، وأساء الكثير من أنصار كل مسار لمسارهم حين اضطربت أولوياتهم ودخلوا فى تهديدات وصراعات لم تكن مفيدة مع مؤسسات الدولة الأخرى أو مع قوى سياسية مناوئة.

وبناء عليه، يمكن أن نستنتج أن العيب «عيب مصنع»، وليس عيب «تشغيل».. بعبارة أكثر تفصيلا نحن لم نكره الاستبداد بما يكفى حتى نكون أحرارا، نحن لم نكره الظلم بما يكفى حتى نكون عادلين، نحن لم نكره الفرقة بما يكفى حتى نكون متحدين، كل ما فعلناه أننا تخلصنا من مبارك ثم تصارعنا على من يحل محله. الدرس بسيط وعميق: الثورة ستنجح فقط إن نجحنا فى أن نثور على أسباب الانتكاسة. وانتخابات الرئاسة اليوم مناسبة مهمة لإنقاذ ما بقى من الثورة.

إذن ما العمل؟

آخر ما تريده مصر أن يحدث صدام بين قطارات العمل السياسى فى مصر التى تسير بسرعات متفاوتة فى الاتجاه نفسه نحو نقطة الصدام. لا بد من منع الصدام عبر الإجراءات السبعة التالية:

أولا: لا بد من استكمال انتخابات الرئاسة والمشاركة فيها بفعالية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثورة. مع كل تقديرى لنزعة بعض الثوريين للمقاطعة والإبطال، أرجو أن يكون واضحا أن الصمت فى هذا التوقيت ليس الموقف الأنفع للثورة أو للدولة.

ثانيا: لا يزال العدو الأول لتجربة التحول الديمقراطى هو سيطرة فصيل واحد على مقاليد السلطتين التشريعية والتنفيذية. وما كان يدعو البعض للتخوف من التصويت فى اتجاه معين هو الخوف من سيطرة هذا الاتجاه على المؤسستين التشريعية والرئاسية، فقد زال هذا التخوف الآن بل وبدأ يبرز هذا التخوف فى الاتجاه المضاد تماما.

ثالثا: احترام نتيجة الانتخابات، طالما لم توجد عمليات تزوير ممنهجة وموثقة، هو فى ذاته إنجاز كبير للثورة ينبغى أن نحافظ عليه. أعلم أن الأمور بلغت درجة من الاستقطاب أن التصويت الآن أصبح فى ذهن كثيرين ليس تصويتا للاختيار بين مرشحين ولكنه، من وجهة نظرهم، معركة حياة أو موت. ولكن المشكلة أن منصب الرئاسة لا يمكن تقسيمه على اثنين. وبالتالى علينا أن نستعد نفسيا إلى أن هناك احتمالا أن يفوز الشخص الذى لا نريد.

رابعا: انتخابات مجلس الشعب الجديدة ستكون خلال ستين يوما على أغلب الظن، وعلى القوى الثورية أن تجتهد بسرعة فى الاستعداد لها لأن أضعف ما كان فى مجلس الشعب الماضى هو أنه كان يعكس قوى الماضى أكثر من تعبيره عن قوى المستقبل.

خامسا: على الجمعية التأسيسية الجديدة للدستور أن تنهى عملها قبل انتخابات مجلس الشعب واضعة فى اعتبارها حتمية التخلص من بعض العوار فى دساتير مصر المتعاقبة منذ الستينات مثل تقييد الحقوق والحريات بالإحالة للقانون ومثل اشتراط أن يكون نصف أعضاء المجالس المنتخبة على الأقل من العمال والفلاحين.

سادسا: على المجلس العسكرى أن يحسن قراءة المشهد وألا يتخذ من الإجراءات والقرارات ما يجعل الوطن يعود إلى «25 يناير» مرة أخرى ولكن بدلا من الهتاف ضد مبارك، يكون الهتاف ضد المجلس العسكرى. وعلى رأس مساحات الحذر الواجب أن ينأى بنفسه تماما عن أى تدخل فى عملية صياغة الدستور أو أن يسىء استخدام السلطات التشريعية التى يزعم أنها عادت إليه بعد حل مجلس الشعب.

سابعا: على الرئيس الجديد أن يتواضع بشدة عند فوزه وأن يعلن إجراءاته لتحقيق مصالحة وطنية شاملة تقوم على إحقاق الحق ومعاقبة المفسد والمستبد من ناحية وعلى استيعاب الخاسرين فى الانتخابات سواء فى الجولة الأولى أو الثانية.

أخيرا، مصر أقوى كثيرا من كل هذه المطبات والمحن، وأقدر على أن تتعلم من أخطائها. وكما قال الدكتور الزكى النجيب محمود فى أعقاب نصر 1973: «والمصرى بصفة عامة متفائل بطبعه، يعلم فى يقين أن فى الكون تدبيرا (يقصد الخالق سبحانه وتعالى) يكفل أن يعتدل الميزان، فلا يكون نقص هنا أو إجحاف هناك إلا ابتغاء تكامل أسمى، لا يترك مثقال ذرة من الخير أو من الشر إلا ليعقب عليه بما يوازنه. والمصرى المتفائل بطبعه يعلم أن إرادة الله متمثلة فى إرادته وأن الأمور سائرة آخر الأمر إلى خير، وأن بعد العسر يسرا، وأن بعد العسر يسرا».

مهما كانت التضحيات ومهما كان الثمن، سنكون أقوى، وستكون مصر أفضل بإذن الله.