هل يصمد الإسلاميون فى حكم مصر؟

د. أحمد عبد ربه | ٢٤ فبراير ٢٠١٣ د. أحمد عبد ربه

أضحت أحاديث النخب وقطاعات لا يستهان بها من الشباب وعامة الناس مليئة بانتقادات لاذعة لتجربة الإسلاميين فى حكم مصر ما بين تحميلهم المسئولية الكاملة عما وصلت إليه الأمور فى البلاد مرورا بالسخرية من سياساتهم وسطحيتهم فى إدارة المشهد، إلى حد تخوينهم واتهامهم باختطاف مصر وتحويلها إلى نسخة أفغانية جديدة فى إشارة إلى إسقاط الدولة الحديثة التى بناها محمد على وحولها الإسلاميون إلى إمارة تنتمى للعصور الوسطى حيث التخلف والجهل والفقر، هم سادة المشهد لدرجة أن أحد الوجهاء قد قرر وهو مرتاح الضمير أنه لم يعد يعنيه القطع المتكرر للكهرباء لأن البلاد بالفعل تعيش فى ظلام دامس منذ أن قفز الإسلاميون على مقاعد الحكم فيها!.

•••

لا شك لدى أبدا فى أن الأحكام السابقة لها ما يبررها على الأرض وربما لا يحتاج القارئ منى إلى سرد وتعديد المشاكل العميقة التى تمر بها مصر لتأكيد بعض صحة الأحكام السابقة، فالجميع يرى إلى أى مدى من الانحدار وصلنا إليه، إلا أن الثابت فى يقينى أن الربط المطلق بين حكم الإسلاميين وبين هذا التدهور به قدر لا يستهان من التعسف وعدم الحياد بل وانعدام النزاهة أحياناً، ذلك أن مصر كانت قد وصلت بالفعل إلى هذا التدهور مع نهاية حقبة مبارك، صحيح أن الإسلاميين فشلوا حتى الآن فى إحداث أى تغيير إيجابى فى المشهد وهو أمر يتحملون مسئوليته السياسية أمام الشعب بجدارة، إلا أن الإيحاء للناس أن البلد كانت مزدهرة ثم أطفأها الإسلاميون أمر غير صحيح بالمرة وأشم فيه رائحة التأسف للنظام السابق بامتياز وهو بالمناسبة أسف غير معلن أضحى يلمح به بعض وجهاء البلد وقادة الرأى العام ولا أستبعد أن يتحول من التلميح إلى التصريح قريبا.

•••

ما يحدث فى مصر يحدث فى الشقيقة تونس على خلفية الاغتيال الغامض للمعارض شكرى بالعيد، ورغم أننا بتنا نعتبر أن البداية الخاطئة للمرحلة الانتقالية فى مصر (بناء المؤسسات قبل بناء الدستور) هى سبب كل نكساتنا، وكاتب هذه السطور ضمن هذا الفريق بالمناسبة، إلا أن ما يحدث فى تونس الآن والتى كنا نعتبرها بالأمس القريب نموذجا فى التحول يفرض علينا مراجعة أمينة لهذا الحكم لأن الأمور على ما تبدو أكبر وأعمق من مجرد بداية خاطئة (وهى كذلك) فى التحول.

أستطيع أن أقول إن هناك أربع مساحات فى مصر تحولت إلى فزاعات طاردة ومشاركة بعنف فى ترسيخ صور ذهنية سلبية عن الإسلاميين أحياننا بحق وكثيرا بخبث، أولها بعض القنوات الفضائية والصحف المصرية والعربية التى أصبحت السياسة التحريرية بها تشيطن التجربة الإسلامية دون هوادة، وأصبح بعض الكتاب والصحفيين والمذيعين بها يعتبرون الإسلاميين عدوا ويدعون الضيوف والقراء والمحللين والخبراء إلى المشاركة فى حفلات النيل منهم دون إعطاء فرصة حقيقية لمن يريد أن يكون له وجهة نظر مختلفة فى الأمر أن يدلو بدلوه (إلا فيما ندر)، وتحول عدد معتبر من الضيوف بمجرد أن تدار الكاميرات والفلاشات إلى المشاركة فى تلك الحفلة حتى يحافظوا على وجاهة الظهور الإعلامى وشرف الانضمام إلى النخبة، وثانيها هو الجهاز الإدارى للدولة والأجهزة التنفيذية به والتى أضحى الموظف فيها يسألك ببجاحة شديدة حينما تذهب لقضاء مصلحتك الحكومية «ثورة ولا على قديمه؟» فى محاولة لإذعانك لتسلم بالمعادلة القديمة للوساطة والمحسوبية والرشاوى المقنعة وإلا فلتتحمل طريق ثورتك، وثالثها هو تلك المساحات الاجتماعية والوظيفية النخبوية التى أصبحت تضغط وبشدة على أعضائها وطابور المنتظرين للانضمام إليها لتبنى وجهة نظرها فى السخرية والتهكم على الإسلاميين ابتداءً وإلا تعرضت لضغوط اجتماعية وأحياننا وظيفية ووصمت بأنك أحد الإسلاميين الكامنين والمستترين بها ومن ثم تعرضت أنت أيضا لنبذها والطرد من جنتها، حتى أننى أستطيع أن أقول وبحق أن دواعى الوجاهة الاجتماعية فى البلاد أصبحت تقتضى منك أن تنقد الإسلاميين وتسخر منهم بحق وبدون حق حتى تحافظ على مساحتك فيها! أما آخرها فهم عدد كبير من الإسلاميين (السابقين) الذين أصبحوا يشاركون (إلا فيما ندر) فى وصلات عدم النزاهة والتقطيع فى تياراتهم السابقة بدعوى أنهم فاقوا وتابوا عن هذا الجرم، حتى أن أحدهم أخذ يجادلنى على الهواء فى أن دولة القانون قد سقطت فى عهد مرسى هكذا دفعة واحدة، وحينما أردت لفت نظره بلطف أن مرسى قد فشل بالفعل فى إقامة دولة القانون المنهارة قبل أن يأتى الرجل، أخذ يحاججنى بأن فلانا من الإخوان قد حصل على حكم إدارى بإعادته إلى عمله فى عهد مبارك وكأن هذا الحكم وغيره من الاستثناءات تأكيد على سيادة القانون التى تشدق بها صاحبنا على الهواء هكذا دون حشمة!

قطعا أنت تتوقع منى الآن أن أصل بك إلى نتيجة مؤداها أن هناك مؤامرة تحاك فى البلاد لإسقاط الإسلاميين ومن ثم أدعوك إلى مطاردة المتآمرين عليهم فى الحارة المزنوقة! وقطعا ليس هذا ما أريدك أن تصل إليه، صحيح أنه لدى قناعة تامة أن هناك من يريد تحويل الإسلاميين إلى فزاعة جديدة لإجبارك على التسليم بفشل الثورة وسذاجة الثوار ومن ثم العودة إلى اللعبة القديمة فى الحكم، لكنى أيضا أملك نفس القدر من القناعة أن ضيق أفق بعض التيارات الإسلامية وخصوصا الحاكم منها وانتهازية بعضها والضحالة والسذاجة المفرطة للبعض الآخر منها هو أحد الأسباب الرئيسية التى ستقوض حكم الإسلاميين وتعجل بسقوطهم ليس فقط من فوق كراسى الحكم ولكن من المعادلة السياسية جلها.

•••

يحتاج الإسلاميون وبسرعة إلى إعادة تقدير الموقف، وإعادة التفكير فى ذلك الإندفاع الجارف ليس فقط فى تصدير الخطاب التخوينى الإقصائى الذى لم يعد يرى فى المعارض سوى متآمر ولا فى استخدام نفس الأساليب الأمنية الدفاعية المهترئة فى الدفاع عن كراسى الحكم، ولكن أيضا فى ذلك الاندفاع المستفز فى الدفاع والتغطية على انتهاكات الداخلية وغيرها من انتهاكات أدوات ومؤسسات الدولة العميقة فى حق الثوار والشباب والمتظاهرين، يحتاج الإسلاميون إلى مراجعة صادقة لقوانين باتت تطبخ بنكهة أمنية بكل أسف لتقويض حركات المعارضين والمجتمع المدنى بدعوى الحفاظ على الشرعية، حتى أننى أصبحت أتفق مع فريق معتبر من الباحثين والمحللين بأن ما نراه مؤخرا لم يعد أخونة للدولة بقدر ما هو «دولنة» للإخوان بشكل خاص والإسلاميين بشكل عام، فى إشارة إلى موافقتهم الضمنية على إدارة مصر ما بعد الثورة بنفس أساليب وأدوات وخطب ما قبل الثورة فى اعتقاد ساذج أن هذا الطريق سيقود إلى تأمين كراسى الحكم!

•••

أعتقد أن استشرافا متواضعا للمستقبل فى ضوء قراءة التاريخ من ناحية وتحليل الصورة الكلية للمشهد الحالى من ناحية أخرى يقودنا إلى خلاصة مفادها أن استمرار الإسلاميين فى حكم مصر فى الأجل المتوسط أصبح محل شك، وأن فرص خروجهم من المعادلة السياسية برمتها أصبح احتمالاً قويا فى الأجل الطويل طالما ارتضوا استخدام قواعد اللعب القديم فى قيادة البلاد، أعزائى الإسلاميين، ربما لا تحتاجون إلى تشكيل جبهة سياسية للضمير بقدر احتياجكم إلى إحياء ضمائركم الشخصية للحكم على المشهد وإلا سيكون السقوط بأيديكم أنتم قبل أن يكون بأيدى خصومكم!