هل انتهت عسكرة الدولة؟

د. أحمد عبد ربه | ١ سبتمبر ٢٠١٢ د. أحمد عبد ربه

هل انتهت عسكرة الدولة؟ منذ أن تم تنحية الرئيس السابق مبارك عن الحكم وتولى المجلس العسكرى مقاليد الحكم فى البلاد طفى موضوع العلاقات المدنية العسكرية ومايطويه من حالة “عسكرة الدولة” على سطح مناقشات ومساجلات أهل النخبة فضلا عن الناشطين السياسين والأكاديمين. ومع مرور الوقت وتورط المجلس فى مواجهات غير محسوبة مع الثوار وانغماسه فى غياهب ومتاهات المقامرات السياسية وماتبعه ذلك من التفاف المجلس نفسه على الطريق الذى وضعه “لتسليم السلطة” باصدار “الاعلان المكمل” بايعاز نفر من أوصياء الثورة قد تحول المجلس الى خصم سياسى وأصبح حسم مدنية الدولة ضد “عسكرتها” وليس فقط ضد “أدينتها” على رأس أولويات القوى السياسية الثورية بحق وخاصة مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية جاء بانتخابات ديموقراطية نزيهة. ومع قرارت مرسى الجريئة والواثقة باقالة رأس المجلس ورئيس أركانه وماسبقه ذلك من اقالة قائد الشرطة العسكرية ومدير المخابرات العامة فقد بدا أن الرئيس بالفعل ينتصر لمدنية الدولة من عسكرتها، وهو الأمر الذى رحب به الكثيرون معتبرين أن ماحدث هو انتهاء لعسكرة الدولة وقد عبر عن ذلك بجلاء الدكتور محمد البلتاجى القيادى الاخوانى المعروف بتصريحات قال فيها أن عسكرة الدولة قد انتهت لأول مرة منذ ٦٠ عاما وأنها البداية الحقيقية للدولة المدنية! ورغم أن كاتب هذه السطورممن فرحوا ورحبوا بهذه الاقالات واستعادة الرئيس لزمام الأمور إلا أن اعتبار أن عسكرة الدولة قد انتهت هو تسرع في اعلان وضع لم يتحقق بعد! تشير دراسات العلاقات المدنية العسكرية علي قلتها إلى أن المدنيين والعسكر عادة مايدخلوا في صراع بعد أى لحظة تحول كبرى حول خمس قضايا كبرى (صنع السياسات العامة، تجنيد النخبة، الأمن الداخلى، الدفاع، شؤون المؤسسة العسكرية نفسها) وتتراوح فرص نجاح المدنيين والعسكرين فى السيطرة علي الدوائر الخمس من سيطرة كاملة للمدنين (حالة البرازيل مثلا) الى سيطرة جزئية للمدنيين (حالة تركيا بعد تولى أردوغان مقاليد الأمور) أو لاسيطرة على الاطلاق (حالات باكستان وماينمار مثلا..الخ) وفى كل الأحوال فإنه حتى فى أكثر الحالات نجاحا للتخلص من سيطرة العسكر وتحقيق السيطرة المدنية فيحتاج الأمر الى سنوات طويلة (احتاجت البرازيل مثلا عقدين من الزمان لتنتهى من العسكرة)، ذلك أن عسكرة الدولة لاتعنى فقط منازعة العسكر للمدنيين المنتخبين للسلطة ولكن تعنى أيضا (ضمن أمور كثيرة) تمتع العسكر بأوضاع دستورية مميزة، وجود أنشطة اقتصادية مستقلة للجيش، سيطرة العسكر على مفاصل الدولة بما فيها وجود قيادات عسكرية وموظفين عسكر فى الهيئات والمؤسسات التنفيذية والخدمية . ومن هنا فإن جرة قلم الرئيس مرسى في اقالة قادة وتعين أخرين (على جرأتها واحترافية تنفيذها) لاتعنى بالضرورة انتهاء العسكرة وتحقيق المدنية المنشودة، اذ أن الولوج الي هذه النتيجة يتوقف على نجاح الرئيس ومعه كل القوة المدنية في تحقيق مايلى: • سحب أى استثنائات للجيش ومجلسه الأعلى فى دستور مصر القادم: ذلك أن القبول بأى وضع خاص للجيش بما فيه وضع ميزانية منفصلة أو القبول بالمحاكم العسكرية باعتبارها جزئ من وسائل التقاضى الطبيعى ..الخ يعنى أن السيطرة المدنية لم تتحقق بعد. • اعادة هيكلة مجلس الدفاع الوطنى: ذلك أن النص على دور قادة الجيش فى حماية الأمن القومى هو أمر اعتيادى ومنطقى فى معظم دول العالم ولكن ألية تطبيق ذلك الدور على الأرض هو أمر حيوي وحساس، ذلك أنه فى تركيا (ماقبل أردوغان) تكون المجلس من تسعة أشخاص منهم خمسة من العسكرين وأربعة من المدنيين فضلا عن جيش من الموظفين بلغ أكثر من ٤٠٠ موظف عسكرى وهو أمر تم توظيفه تماما لسيطرة الجيش على تحديد نطاق الأمن القومى التركى والانقلاب على الديموقراطية كلما تطلب الأمر بدعوى حماية هذا الأمن (من وجهة نظر الجيش طبعا!) ومن هنا فان اعادة هيكلة مجلس الدفاع الوطنى فى مصر بجعل الغلبة فيه للمدنين (على مستوى القمة والقاعدة) فضلا عن جعل أرائه مجرد استشارية للحكومة هو أمر غاية فى الأهمية فى مصر وسيحدد الى أى مدى ستنتصر المدنية فى مصر. • دمج اقتصاد الجيش وميزانيته فى الموازنة العامة للدولة: ذلك أن وجود اقتصاد منفصل للجيش يدور مشروعات تنتج سلع غذائية وخدمية فضلا عن القيام بأدوار فى اعمار البنية التحتية بشكل منفصل عن الدولة وأجهزتها انما يعظم ميزانية الجيش وبالتالى ميله الى الاستقلالية فى صنع القرار وهو أمر غير مقبول فى الدول الديموقراطية خاصة وأنه تنمو معه ثقافة شعبية ترحب بدور الجيش (فى الشأن الداخلى) . • ابعاد القادة العسكرين من مفاصل الدولة التنفيذية وجهازها الادارى: فلايخفى على أحد أن عسكرة الدولة فى مصر تشمل أيضا وجود المئات من العسكرين فى وظائف استشارية وقيادية في العديد من دوواين الوزرات والهيئات الحكومية بل والاتحادات الرياضية والأجهزة المحلية وهو أمر يتطلب اعادة تصحيح بحيث يستبدل هؤلاء بموظفين مدنيين يعملون وفقا لخطة الجهاز التنفيذى والادارى للدولة. ان الانتهاء من عسكرة الدولة هو مخاض صعب وطويل وللحكم علي قرارت الرئيس مرسى وماذا كانت ستؤدى الى تقليص عسكرة الدولة لصالح السيطرة المدنية (بمفهومها السابق) أم أنها كانت مجرد عملية تسليم وتسلم داخل أجهزة الدولة السيادية بحيث تبقى معادلة دور الجيش في الشأن العام وأوضاعه الاستثنائية قائمة مقابل الولاء للرئيس المنتخب هو أمر يتطلب التريس ويتوقف على مدى تحقيق الرئيس مرسى ومعه كل القوى الوطنية تقليص دور العسكر فى النقاط سالفة الذكر.