من أجل هذا خلقت المعارضة

د. أحمد عبد ربه | ١١ فبراير ٢٠١٣ د. أحمد عبد ربه

تبدو الأمور فى مصر شديدة التعقيد، ليس فقط بسبب تدهور حقيقى فى أوضاع المصريين الاقتصادية والاجتماعية وبالضرورة الثقافية والأخلاقية، نجم عنها شعور المواطن بغياب الأمن بمفهومه الأوسع حتى فى أضيق دوائر تفاعله الاجتماعية حتى انسحب تماما من المجال العام إلى التقوقع فى محيطه الخاص، بل واضطر لاحقا إلى خصخصة هذا المجال الخاص إلى دوائر أكثر ضيقا لم تعد تشمل سوى عدد محدود من معارفه وأولياء أموره، ولكن بسبب أيضا أن البلاد بدت وبتعبير البسطاء «بلا صاحب» فى إشارة إلى غياب النظام الحاكم بسلطته ومعارضته عن إدارة المشهد منسحبين بدورهم إلى الدفاع عن دوائرهم الخاصة والتى خصخصوا بها مساحات أضيق فتحّول المجال العام إلى ساحة فضاء بلا قوانين ولا قواعد حتى أصبح وبلغة القانون الدولى مجال «أعالى البحار» حيث المساحة مباحة لمن يقدر!

لم نصل إلى هذا الوضع بسبب مؤامرات تحاك هنا أو هناك، كما يطنطن البعض، ولابسبب جماعة اختطفت الدولة (ولن تقدر حتى لو أرادت)، لكن بسبب أن السلطة والمعارضة ابتعدوا عن أصل اللعبة الديمقراطية والتى هى ليست أكثر من نظام يدير هذا المجال العام ويحدد قواعد اللعب فيه! وقد تفتق ذهن البعض عن استخدام استراتيجية (الحوار الوطنى) لعلها تعيد الجميع إلى رشده وصوابه، وانخرطت مؤسسات وفاعلون ونشطاء للدفاع عن هذه الاستراتيجية، لكن مع استمرار غياب الرشادة والبعد عن أصل اللعبة تحول الحوار الوطنى إلى فزاعة استخدمها الحاكم والمعارض ضمنيا لشل يد الآخر واستبعاده وإظهار عجزه، فوضعت المعارضة شروط تعجيزية للحوار تفوق كثيرا قدرتها الفعلية على الأرض، ورفض الحاكم تقديم حد أدنى من الضمانات لهذا الحوار، حتى يكشف ضعف المعارضة وهشاشتها ومن ثم يعريها أمام الجماهير بحيث يبقى هو الحقيقة الوحيدة الثابتة فى المشهد!

•••

فى تقديرى وبدون مواربة ماتت استراتيجية الحوار الوطنى للأبد وأصبحت الأرض تسبق حركة النظام بمعناه الواسع (السلطة والمعارضة) بكثير وهو ما يحتم البحث عن استراتيجيات بديلة وإلا عدنا خطوات كثيرة للخلف. وهنا فإن العودة إلى أصول اللعبة السياسية بعيدا عن الفزاعات المنعوتة بالوطنية هى البديل الوحيد المتاح الأن. ولأن أصل اللعبة الديمقراطية هو المساحة المتاحة للمعارضة وليست للحاكم (فالأخير حقيقة ثابتة فى كل النظم حتى الديكتاتورى منها) فلابد لنا إذا من إيضاح الاستراتيجيات والفرص المتاحة الأن لدى المعارضة فى مصر، لعل الأخيرة تستغلها ويبدى الحاكم بشأنها مرونة فيبقى النظام بطرفيه قائما وإلا انهار آجلا أو عاجلا ولن ينفعه وقتها شعارات المعارض ولا أغلبية الحاكم!

فى رأى فإن المعارضة فى مصر تأرجحت بسرعة شديدة بين رفع سقف شروطها للحوار حينما شعرت أنها قد تكون قادرة على قيادة الشارع، فطالبت بإسقاط دستور استفتى عليه شعبيا وإقالة حكومة لإنشاء أخرى وصفت بالانقاذ، وبين المطالبة بإسقاط النظام ووأد شرعيته تماما حينما شعرت أن الشارع الثورى يسبقها بخطوات! وهكذا استمر تأرجحها المكوكى بين المطلبين إلى أن فقدت ثقة الشارع وعجزت عن الضغط على السلطة الحاكمة، فاكتفت ببعض الضجيج الإعلامى والنشاطات النخبوية وهو أمر قطعا يسعد السلطة ويطمئنها حتى لو تظاهرت بغير ذلك!

•••

وفى تقديرى فإن المعارضة المصرية لديها ثلاث أفضليات نسبية عن السلطة الحاكمة لم تستغلها جيدا بعد، فهى أولا ليست مسئولة سياسيا أمام الشعب كونها خارج الحكم، فمازالت تملك استراتيجية تصعيد الضغوط والانتقادات على الحكومة والرئيس مستغلة تخبط واضح فى إدارة المشهد من قبل السلطة، وتظهر عدد من الدراسات الأكاديمية أن فرص المعارضة تتزايد على حساب السلطة الحاكمة وقت الأزمات الاقتصادية وأن عملية تبديل المقاعد بين السلطة والمعارضة أكثر احتمالية إذا ما أجريت انتخابات تمثيلية وقت الأزمات الاقتصادية، وهو ما يعنى أن المعارضة لو أحسنت تصعيد الضغوط على السلطة الحاكمة فإنها تملك فرصة معتبرة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وهى ثانيا تملك أفضلية القدرة على استخدام آلية القوة الناعمة مقارنة بالحاكم، فطبيعة المعارضة وتوجهاتها الليبرالية المتحررة فى مصر تجعلها أكثر قدرة على استخدام أدوات الإعلام المرئى والمقروء ومواقع التواصل الاجتماعى فضلا على أداة الفن بشكل أكثر كفاءة من السلطة الحاكمة، فالأخيرة بطبيعتها المحافظة لديها قيود بنيوية وأخرى حركية فى استخدام أدوات القوة الناعمة هذه وخاصة فى مجالى الإعلام والفن، ولعل برنامجا واحدا ساخرا سحب كثيرا من رصيد الحاكم وأثبت كفأة غير عادية فى مواجهة السلطة ومعارضتها بمجرد كلمات وقفشات ساخرة وضعت الحاكم دوما فى وضع دفاعى دون تكلفة سياسية تذكر!

كما أن المعارضة، ثالثا مازالت تملك فرصة أفضل للاقتراب من الفئات الثلاث الأكثر تهميشا، المرأة والشباب والأقباط، وفى تقديرى فإن الحاكم بأجندته الضيقة وأيدولوجيتة المحافظة عجز دوما عن التعامل مع مطالب الفئات الثلاث واستيعابها فى العملية السياسية منذ انتخابات مجلس الشعب الماضى وحتى الآن، وما أحداث العنف التى تشهدها البلاد حاليا إلا أحد تجليات هذا العجز، ومازال أمام المعارضة فرصة حقيقية، لو أرادت، أن تستوعب الفئات الثلاث فى حركتها لمواجهة السلطة من أجل تغيير قواعد اللعب خاصة مع انتخابات تشريعية تلوح فى الأفق.

•••

تستطيع المعارضة أن تستخدم أفضلياتها النسبية الثلاث سالفة الذكر لتعويض خسائر منيت بها فى الشارع على مدى شهور المرحلة الانتقالية، شريطة نقل المعركة السياسية من الواقع الافتراضى إلى الأرض، بحيث يتحول الرهان إلى استيعاب اهتمامات ومطالب وتطلعات فئات المجتمع المختلفة ومن ثم تعظيم فرصها الانتخابية. تستطيع المعارضة أيضا أن تحول دفة الحوار الوطنى من حوار مع السلطة إلى حوار مع المجتمع، فيصبح الحوار الوطنى حوارا مجتمعيا يجذب أطرافا لم تدخل اللعبة السياسية بعد لغموض الأخيرة وميوعتها رغم قدرة هذه الأطراف المحجمة على التأثير على المعادلة السياسية بقوة، كما تحتاج المعارضة أخيرا، وليس آخرا إلى وضع مشروعا بديلا يشمل سياسات اجتماعية واقتصادية ورؤى سياسية بديلة ومتحدية لمشروع السلطة الحاكمة القائم، بحيث يعيد هذا مشروع بديل رسم العلاقات البنيوية فى المجتمع وبين الأخير والسلطة الحاكمة، فالمعارضة فى التحليل الأخير هى حكومة ظل، أو حكومة تحت طلب المواطن لو قرر عقاب السلطة القائمة بعدم التصويت لها!

•••

لم تخلق المعارضة إذا لإسقاط شرعية النظام الذى يشملها فى النهاية، ولو فعلت لأسقطت شرعيتها بالتبعية، كما أنها لم تخلق لتكون بناءة وطيعة وموالسة كما يريدها النظام ويتخيلها، فلا توجد معارضة بناءة وأخرى هدامة فى عالم السياسة كما يدعى الحاكم دوما، بل توجد معارضة جادة وأخرى هزلية، كما أنه يوجد حاكم محترف قادر على خلق وضمان مساحات لهذه المعارضة من أجل ترسيخ الديمقراطية ومن ثم تعزيز شرعية استمراره، وآخر هاوٍ يتخيل أن انحياز الصندوق الوقتى يعنى خصصة مساحات المناورة واحتكارها! خلقت الديمقراطية لإدارة التفاعل بين الحاكم والمحكوم، وخلقت المعارضة لاستخدام أكبر قدر ممكن ومتاح من مساحات المناورة لتوازن عملية التفاعل هذه.. من أجل هذا خلقت المعارضة لعلكم تعقلون!