مغلق للتحسينات

د. ريم عبد الحليم | ١٧ يناير ٢٠١٣ د. ريم عبد الحليم

عندما طالعت الصحف فى الصباح التالي لحادث قطار أسيوط وجدت العنوان الرئيس هو “الإهمال وراء مقتل خمسين طفلاً” ، وبعد فترة وجيزة أطالع الصحف عن المسئول عن غرق الصيادين العشرة ، لأجمع التصريحات المتناثرة ” المركب خرجت دون تصريح!” ، “قوات البحث وصلت متأخرة” .. “الإهمال مسئول عن غرق الصيادين العشرة” ، ثم بعد قطار البدرشين تكون عناوين الصحف “تهالك القطارات وأجهزة الإنذار وراء الحادث” .. الحمد لله ..عرفنا المسئول إنهما “الإهمال” و”تراكم الفساد عبر العصور”…

ذكرتنى عناوين الصحف، بحلقة من مسلسل أذاعه التليفزيون المصري منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً ..”ألف ليلة وليلة”.. أراد الملك شهريار أن يحاكم من يفضح أسراره وأسرار الملوك فى الروايات..فعندما كانت الإجابة من شهرزاد “إنه التاريخ يا مولاي”..أصدر أمراً بأن يسير الحرس فى كل أنحاء البلاد يقبضون على كل شخص اسمه “التاريخ”!!

فى عام 1935 كتب الكاتب الأمريكى هوراس ماكوي روايته الرائعة “إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟” والتى تحكى عن شابين موهوبين يئسا من الحصول على عمل فى هوليوود فى وقت الكساد العظيم فقررا الانضمام لمسابقة للرقص المتواصل تكون جائزتها ألف دولار وربما المشاركة فى إنتاج فيلم ..وبعد مئات الساعات من الرقص والوقوف المستمر والتسابق الطاحن تحت ضغوط من المنتجين والدعاية الممولة للمسابقة أصابت رصاصة طائشة إحدى المتسابقات فقتلتها لتعلن الشركات عن انتهاء المسابقة بما حملته من جهود الفقراء والشباب وأحلامهم وطموحاتهم ويكون الإعلان عن إلغاء المسابقة “نحن آسفون للخطأ ..هناك قاتل مجهول فى المكان سوف نغلق المسابقة و نعوض كلٍ متسابق بخمسين دولاراً” !! فما كان من بطلة الرواية إلا أن حملت مسدساً وطلبت من البطل أن يقتلها لأنها متعبة ومحبطة! فيقتلها ويطالب فى المحاكمة بالرحمة رغم اعترافه لأنهم يقتلون الجياد ذات الأرجل المكسورة …

المعنى الضمنى للرواية ليس فقط فى الإحباط … ولكن فى تأثير شعور الإنسان باستباحة قيمته الجسدية واستباحة آماله وأحلامه التى عصمها الله جل وعلا.. من خلال تبريرات واهية وكلمات لا ترقى لحجم الألم فى نفوس البشر ولا تبشرهم بأن الغد سيكون حتماً أفضل.. إذا فقد الإنسان شعوره بقيمته وقيمة دمه فقد معنى الحياة..فقد قدرته على الاندماج فى المجتمع وفى الإنتاج وفى بناء الوطن…

******
ليس هدفى من العرض السابق إلقاء اللوم أو نفى حق القضاء المطلق في إلقاء اللوم على من يراه مذنباً.. ولكن كل ما نريده هو التوقف للحظة والتفكير عن معاني ما نتلفظ به من كلمات…

إن إدارة الدولة لمنع الفساد والإهمال هي علم يقوم على نظام متكامل للمسئولية والرقابة المتبادلة Checks and balances، وهو نظام يضمن أن يكون أداء كل مؤسسة حكومية متابَع و متابِع حتى أدنى مستويات المؤسسات وهو مستوى تقديم الخدمة للمواطنservice provision lines ، بحيث لا يستقل أى طرف حكومى بالسطوة والقوة التى تحميه من طائلة القانون وتمكنه من مواراة أخطائه وتحميلها لأطراف أخرى أدنى منه مرتبة أو تنتمى لجهات تتداخل مسئولياتها مع مسئولياته..

هو نظام يقوم على بناء مؤسسي يحمل تفصيل دقيق للمسئوليات بشكل يضمن عدم تداخلها وعدم تداخل السلطات الموازنة والموازية لها كذلك بين الجهات المختلفة.

فجملة “ضياع المسئولية” ليست كلمة إنشائية ولكنها كلمة تحمل معنىً علمياً دقيقاً وهو عدم القدرة على تشريح النظام لتحديد المسئول الحقيقى عن الأخطاء التي تذهب بسببها أرواح البشر…

ربما نستشعر التطبيق العملى للمفاهيم السابقة إذا علمنا أن عشرة جهات تشرف كلٍ منها بشكل مستقل عن الأخرى على قطاع النقل فى مصر بشكل أو بآخر، وأن مسئولية إنشاء الكبارى المحلية والطرق المحلية تائهة بين وزارة التنمية المحلية أو المحافظات وبين هيئة الطرق والكباري، حتى أنه يتم توزيع المسئولية عنها بالقطعة فى بعض الأحيان… إذا علمنا أن نصيب الطريق المؤهل من المارة فى مصر من أعلى الأنصبة فى العالم.

نستشعر التطبيق العملى للمفاهيم السابقة إذا علمنا أن دور المجالس الشعبية المحلية المطبق فعلياً مجرد دور اجرائى وهو الموافقة على تنفيذ ما تم تنفيذه بالفعل وفق الخطة المركزية، وأنه لا يوجد قانون واحد فى مصر ينص على تنظيم الرقابة الشعبية على القطاعات المقدمة للخدمات العامة على المستوى المحلى وهو النظام المعمول به فى البرازيل والمكسيك والعديد من الدول..

يتمثل المعنى العملى لتشجيع الإهمال وتكوينه فى تحويل نظام الرقابة ومتابعة أداء موظفى الدولة ومقدمى الخدمة لنظام المجاملات الورقية التى لا ترتبط بمؤشرات لقياس رضا المواطن ..

نستشعر المعنى العملى للمشكلات فى إدارة المؤسسات الحكومية إذا علمنا أن موازنة الدولة وتوزيع الإنفاق القطاعى يوضع بنظام بنود يتم على أساس شبه “تفاوضى” مع كل مسئول فى محاولة لاستغلال ما تبقى من الإيرادات بعد مدفوعات الأجور والدين العام والدعم الشامل، لتحقيق أهداف غير معروفة ولا يمكن قياسها من خلال الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية وفق معايير وأنظمة رقابة هزلية، وليس على أساس دراسة كاملة للاحتياجات الجغرافية والقطاعية ووفق مؤشرات لقياس الأداء Key Performance Indicators أو تكلفة المنتج cost of the unit of outcome. فالطالب منتَج، وأحلامه منتجات، علاج المريض منتَج، وصول الراكبين لمحطاتهم بسلام منتَج، كل خدمة حكومية تقدم للمواطن هى منتًج يساعد المواطن على الإنتاج ويجب أن تقدم فى أكثر الصور فعالية وكفاءة ليتم تقييم النظام المؤسسى على أنه نظام رشيد، وتفاعل الموطن معه فى سبيل التنمية ولتحقيق أهداف يعرفها الجميع يشكل مفهوم “مشروع الدولة”.. وكلما زاد انتماء كل مواطن لمشروع الدولة وشعوره بقيمته فى تحقيق هذا المشروع كلما ارتقينا لمفهوم “الوطن” الذى نحمله فى نفوسنا قبل أن يحملنا على أرضه..

لابد أن تبدأ الدولة فى تطهير الجهاز الحكومى تطهيراً مؤسسياً وليس شخصياً، فلابد من مراجعة الأدوار والمسئوليات المتشابكة للجهاز الحكومى المصرى المتضخم فيما يعرف بالإصلاح السيادى sovereign reform و إعادة تشكيل نظام وضع الخطة والموازنة لترتبط بأهداف وليس بنود

يا سادة الإهمال عرض وليس مرض… لا يمكن إلقاء اللوم عليه بشكل عام .. فالإهمال هو عرض لوجود تراكم من الخلل في إدارة البنية المؤسسية المصرية بالكامل، الإهمال نتاج مجتمع لم يحترم قيمة الروح والإنسان.. فالإهمال تهمة لا تفنى ولا تستحدث من العدم…

نحن ننتظر أن تظهر الحكومة الحالية اتجاه للتحسين ..اتجاه نحو بناء الوطن..ولا تتصرف كسابقتها لتلعن الإهمال وأخطاء التاريخ..وضيق ذات اليد، لابد أن نعمل على بناء وطن… فلو قررت الحكومة التركيز فى البحث عن التبريرات الواهية مع عدم الإعلان عن خطط تفصيلية ترسم شكل المستقبل وفق المعايير الإدارية المعروفة عالمياً والبدء فوراً فى تنفيذ المحور قصير الأجل والعاجل منها بصيانة العمل الحكومي المرتبط بحياة المواطن .. عليها أن تعلن عن اتجاهاً مصاحباً يتمثل فى تعليق يافطة على أبواب الوطن مكتوب عليها “الوطن مغلق للتحسينات حتى إشعار آخر” … والله لو كان ممكناً لسابق الشعب الحكومة لتعليق اليافطة.

وأخيراُ فالإهمال لا يفنى ولا يستحدث من عدم… وكذلك الوطن لا يغلق للتحسينات!