مستقبل مصر.. حقائق من ٢٠١٢

د. أحمد عبد ربه | ١٣ يناير ٢٠١٣ د. أحمد عبد ربه

ينهكنا الواقع دائما بتفاصيله وآلامه وصعابه فيستغرقنا ويستنزف طاقتنا ويتركنا فريسة لمخاوف مشروعة وأخرى متخيلة، فتنضب طاقتنا عن التفكير والتخطيط المستقبلى ونقع أسرى اللحظة الراهنة يتعقيداتها فلا نتحرك من أماكنا قيد أنملة ونكتفى بالنظر تحت أرجلنا! أدعى أن المقدمة السابقة تنطبق على حال معظم المصريين منذ اندلاع الثورة، بل وتنسحب أيضا على طريقة تفكيرالعديد من قيادات الرأى العام وصناع القرارات فى الدولة حتى إن الوضع العام أصبح شديد الإحباط، وأصبح الخوف والشك والتشاؤم هو سيد المشهد!

•••

ذكر لى أحد الدبلوماسيين فى جنوب أفريقيا أن الوضع كان كذلك فى البلاد السمراء مع نهاية الثمانينيات، حيث وصلت سياسات الفصل العنصرى إلى أوجها رغم الضغوط الدولية والحراك الداخلى، وحتى بعد الإفراج عن الزعيم نيلسون مانديلا فى ١٩٩٠، فإن لحظة نشوة مؤقتة انتابت الجميع ثم ما لبث أن دخل المزاج العام إلى احباط شديد مرة أخرى بسبب عدم التقدم فى المفاوضات بين البيض والسود، فما كان من صناع القرار والمفكرين إلا التفكير فى طريقة جديدة للخروج من هذا الوضع السودوى، ألا وهو رسم سيناريوهات لمستقبل الدولة ووضعها أمام صناع القرار بمختلف انتمائتهم ليتحملوا مسوليتهم أمام الجميع! وبالفعل تبنت جامعة غرب الكيب مشروعا لتناول كل السيناريوهات المستقبلية للبلاد بدعوة أكثر من ثلاثين خبيرا، وانتهى المشروع بوضع أربعة سيناريوهات كبرى يعتقد بشدة أنها حفزت الساسة هناك على تحمل مسئوليتهم التاريخية والتغلب على عراقيل المفاوضات وانهاء مرحلة مؤلمة من تاريخ البلاد!

•••

إن مصر فى تلك اللحظة المترنحة حيث يسوء المزاج العام للشعب ويختلط الأمر على صانع القرار تحتاج إلى مبادرة شبيهة بنظيرتها فى جنوب أفريقيا من أجل تحليل الواقع وتحديد ملامح مستقبل البلاد بشكل عقلانى رشيد بعيدا عن الحسابات السياسية والحزبية الضيقة، حتى نضع صناع القرار وقادة الرأى العام أمام مسؤليتهم التاريخية، لعل وعسى يكون ذلك أسلوبا إيجابيا نحو التحرك للأمام بعيدا عن دعوات التوافق والاجماع الوطنى التى لاوجود لها على أرض الواقع رغم مثاليتها ونبل مقاصدها!

إن الخطوة الأولى فى رسم سيناريوهات المستقبل تتطلب تحليلا مجردا للواقع من أجل رسم ملامح عامة تستشرف المستقبل وتضع صناع القرار أمام مسولياتهم، فتجبر الجميع (أو هكذا أدعى) إلى تقديم تنازلات (ولا أقول توافقات) فكرية وسياسية من أجل دفع البلاد للأمام، كما أنها تدفع المواطن العادى للتفكير بعيدا عن آلام وتعقيدات اللحظة، فيجدد طاقته على العمل والتفكيرفى المستقبل. إن تحليلا سريعا لمجمل الأحداث السياسية لعام ٢٠١٢ يجعلنا أن نخلص إلى خمس خبرات كبرى لعلها تساعدنا على استشراف ما هو قادم وهى على النحو التالى:

• الأولى، السياسات تمارس على الأرض: فعلى الرغم من أهمية الإعلام بقنواته وشبكاته مضافا إليه دور شبكات التواصل الاجتماعى ومايسمى بالإعلام البديل، إلا أن الحسم فى ٢٠١٢ كان بالعمل مع الناس على الأرض والاقتراب من لغتهم ولباسهم ومشاكلهم وطريقة تفكيرهم لا العكس. وقد أثبتت الأحزاب الإسلامية فى ٢٠١٢ أنها الأكثر قدرة بالفعل على الاقتراب من المواطن والحديث بلغته وتفهم مشاكله، وعلى العكس بذلت الأحزاب الليبرالية واليسارية الغالى والنفيس للوجود الإعلامى وصنع الصور الذهنية التى حركت بعض الجماهير تجاهها، لكنها لم ولن تحسم المعارك السياسية على الأرض!

• الثانية، التنظيم تصنع الفارق فى السياسة: فمنذ تنحية مبارك والشعب يبحث عن زعيم! وقد حاول بعضهم بالفعل أن يكون زعيما، لكن خبرة ٢٠١٢ تؤكد بالفعل أن المؤسسات والأحزاب السياسية المنظمة هى وحدها التى ستتمكن من تحقيق الفارق السياسى، فالناس رغم تأثرهم اللحظى بكارزيما الزعيم، فإن حشدها وتنظيمها والحصول على أصواتها لن يتم إلا عن طريق أدوات متماسكة للحشد والتعبئة تجمع بين صناعة الصور الذهنية والانطباعات وبين تحسس آلام وثقافة الناس والاقتراب من لغة خطاباهم ودوافعهم!

•••
• الثالثة، انتهاء مرحلة الرومانسية الثورية: فقد أراد كثر للمرحلة الرومانسية أن تستمر، وحاول البعض أن يهرب من حقيقة مؤداها أن الثورة بخطابها الرومانسى الأخلاقى قد انتهت بالفعل، وأن مرحلة وسطية بين الشرعية الثورية والشرعية القانونية قد بدأت بالفعل شئنا أم أبينا،فلا الساسة سينتظرون ولا الناس سيحلمون أكثر من ذلك، فما بين طموح سياسى ومشاكل اقتصادية واجتماعية لم يعد للمرحلة الرومانسية مكاننا! فالحديث إذا عن ألفاظ مثل التوافق والوفاق والاجماع ثم نعتها بالوطنى أصبحت مستهلكة وأثبتت عدم جدواها! فعل تعى قوى المعارضة ذلك؟

• الرابعة، التعويل على الأغلبية له حدود: صحيح أن الأغلبية تحسم ولكن فى أوضاع انتقالية كالتى نعيش بها فالحسم قصير الأمد! وقد تنقلب الأوضاع فى لحظات، تلك خبرة يجب أن يستوعبها الإسلاميون تحديدا، فصحيح أن كل الانتخابات التى أعقبت الثورة وحتى الأن تمكنوا من حسمها، إلا أن قرارت غير محسوبة كتلك التى أصدرها الرئيس فى ٢١ نوفمبر ٢٠١٢ قد (ضمن عوامل أخرى) تسهم فى تعبئة الشارع بشكل أسرع من المتوقع، ومن هنا فالاهتمام بالحشد يجب أن يوازيه اهتمام بالسياسات وبالأقليات وبالمهمشين، يجب أن يتوازى مع إرادة لتحقيق العدالة الانتقالية والحوار مع المعارضة وإلا ستكون الخسائر وخيمة.

•••

• وأخيرا، فقد أصبح وجود الإسلاميين فى النظام السياسى والحكم حقيقة! وهو أمر يجب أن يدركه الاسلاميون قبل غيرهم، ففى ٢٠١٢ بدى أن الإسلامين مازالوا لايصدقون هذه الحقيقة، فتصرفوا كما لو أنهم مازالوا خارج معادلة التاريخ والنظام، فخرجت منهم سياسات مهتزة وخطب ضيقة الأفق، كما أن المعارضين الذين مازالوا يمنون أنفسهم بالتخلص من الإسلاميين عليهم أيضا أن يستوعبوا أن وجود الأخيرين بشبكاتهم وتنظيماتهم وجماهيرهم فى المعادلة السياسية أصبح حقيقة عليهم التعامل معها بأدوات المواجهة السياسية لا بأدوات الانقلاب على الواقع أو الهروب منه!

•••
هذه أهم خبرات ٢٠١٢ فى تقديرى وسأبنى عليها فى مقالاتى القادمة رؤية لمستقبل السياسات والعمليات والمؤسسات لعلى أخرج من تعقيدات وتفاصيل اللحظة وأساعد صناع القرار والقوى السياسية بكل أطيافها على السواء فى تحمل مسئوليات المستقبل!