كيف ينجح المشروع الإسلامى؟

د. أحمد عبد ربه | ٢٠ مايو ٢٠١٣ د. أحمد عبد ربه

مازال الجدل مستمرا بشأن مستقبل حكم الإسلاميين فى مصر، والجديد (والجيد أيضا) أن الجدل انتقل أخيرا من تراشق بين التيارين العلمانى ــ الليبرالى والإسلامى إلى داخل التيار الإسلامى نفسه، فبدأ بعض الإسلاميين فى مراجعة حكم الرئيس «المؤمن» وتساءلوا ببساطة ماذا طبق هذا الرجل من الشريعة حتى نؤيده؟ حتى أن بعضهم أعلن صراحة تحذيره للرئيس من أن الصبر ينفد إذ لم يطبق الشريعة، وحينما سئل أحدهم عن ماهية تطبيق الشريعة فإنه طالب الرئيس وفورا بالسماح للضباط الملتحين بالعمل الشرطى، والفصل بين الجنسين فى المدارس والجامعات، فضلا عن منع الخمور وإيقاف الكباريهات وسياحة الشواطئ!

لست معنيا فى هذه السطور بالتساؤل عن ماهية تطبيق الشريعة وعما اذا كان تطبيقها يعنى ما قاله صاحبنا فضلا عن قضايا الحدود بالطبع، فلهذا الأمر أهله وأنا لست منهم، كما أننى لا أود مناقشة صاحبنا وأصحابه فى الأولويات والتوقيتات، فقد كتب كثيرا عنها، ولكنى معنى ببساطة بإعادة ضبط المصطلحات وإيضاح حدود وإمكانية نجاح المشروع الإسلامى من عدمه!

●●●
يخطئ أبناء التيار الإسلامى كثيرا حينما يصرون أن الرئيس مرسى هو أمير المؤمنين أو أنه الخليفة الإسلامى أو حتى الممهد له! كما أنهم يخطئون فى قراءة الواقع حينما يتحدثون عن «بيعتهم» المشروطة له! فلا الرئيس خليفة ولا تمت مبايعته، بل هو موظف أعلى فى الدولة تنافس مع آخرين وحسم المعركة بأصوات الناخبين المواطنين لفترة محددة وأى حديث عن خلافة أو بيعة هو محض خيال بكل تأكيد. بالإضافة إلى ذلك فلسنا بصدد ولا نحن فوضنا الرئيس بإنشاء (أو إحياء) دولة الخلافة، بل انتخبناه رئيسا لمصر المدنية الديمقراطية وتقييم الرئيس سلبا وايجابا يكون إذا حول مدى مقدرته على تحويل مصر (العزبة) إلى مصر (الدولة) لا إلى مصر (الخلافة)! وبناء عليه فإن نجاح المشروع الإسلامى يتحدد بما يلى:

أولا: بالتخلى عن حلم الخلافة وإعادة قراءة التاريخ لفهم أبسط حقائقه وهى أن دولة الخلافة والخليفة تحول منذ مقتل الخليفة الرابع على (كرم الله وجهه) إلى نظام سياسى بشرى شهد إنجازات كما شهد انكسارات كان فيه الحكم بالقوة والتشبيك والغزو لا بالدعوة والكتاب والرسل! ومحاولة إحياء هذا النظام الآن ما هو إلا انتحار ومقامرة وتحدٍ لثوابت وحقائق تاريخية لا ذنب للتاريخ فيها لمن لم يقرأه ويفهمه بعيدا عن العواطف والأحلام.

ثانيا: إعادة تعريف المشروع الإسلامى نفسه وتحويله من نظريات جامدة ومشوشة إلى مشروع قابل للتطبيق يتعامل مع الأبعاد الدولية والإقليمية والأهم من كل ذلك المحلية، فالخليفة المنتظر لن يبنى شيئا لدولة ضعيفة وشعوب فقيرة وعلاقات مؤسسية متشابكة ومهترئة.

ثالثا: التعامل بواقعية ودهاء مع حقيقة الدولة القومية التى تقوم فيها العلاقات على أساس المواطنة المتمحورة حول فكرة السيادة والعقد الاجتماعى التقليدية بين مواطنين وحكومة يسكنون أرضا لها حدود تحكمهم قوانين وضعية بشرية مدنسة لا مقدسة! صحيح أن الدولة القومية نتاج تطورات تاريخية غربية بالأساس، كما أنه صحيح أيضا أن الدول الغربية نفسها قد تجاوزت المفهوم التقليدى للدولة القومية المتمحورة حول السيادة (الاتحاد الأوروبى على سبيل المثال)، لكن هذا لا يعنى الانقلاب على هذه الدولة هكذا ببساطة، يتطلب الأمر إعادة التفكير فى علاقات أفقية عرضية لا رأسية بين الدول العربية والإسلامية فحواها التشبيك على أسس اقتصادية وثقافية تحترم المواطنين (على اختلاف دياناتهم) وتتعامل مع التحديات المعاصرة إقليميا ودوليا!

رابعا: يحتاج الإسلاميون إلى النزول من مستوى الصراع القيمى إلى الصراع الواقعى مع مشاكل الاقتصاد والأمن والثقافة على الأرض، فالمشاكل الأخيرة لن تحلها شعارات جوفاء (حتى لو بدت رنانة وعاطفية) ولكن تحلها برامج واقعية تعترف بالخبرة والكفاءة، كما تعترف بالمحدودية البشرية وبمبدأ الصواب والخطأ.

خامسا: يحتاج الإسلاميون أخيرا إلى التخلى عن تلك الأوضاع الدفاعية المرتكزة حول نظرية المؤامرة الكونية على الإسلام والمسلمين والتحول إلى أوضاع أكثر ايجابية بالمبادرة بالفعل وليس رد الفعل، إلى تصحيح الذات وتصويبها لا النرجسية ومخادعة النفس والحيل النفسية لمواربة القصور والأخطاء، إلى الانفتاح على الآخر وفهمه والتعامل معه من منطق المساواة المطلقة بين بنى البشر لا التمحور حول القيم الذاتية واعتبارها (دون أدنى مبرر) قيم فوقية لا تقبل المس وعلى الآخر دوما أن يقتنع بها ويسلم لها!

●●●
إن النهضة التى بناها مهاتير فى ماليزيا قامت على استحقاقات قومية لاريب ساوت بين المواطنين من العرقيات والأديان المختلفة وتعاملت بواقعية مع التحديات الداخلية والإقليمية والعالمية، كما أن تلك النهضة التى بناها أردوغان فى تركيا قامت على شرعية الانجاز واحترام ثقافة الدولة العلمانية والتعاطى معها (بل وتحديها) باستراتيجيات القوة الناعمة لا بالانقلاب عليها، أما الاخفاقات التى طالت تجارب إسلامية أخرى (فى السودان وافغانستان.. إلخ) فإنها قامت على النظريات الجوفاء والشعارات المهترئة وانتهت بالانهيار والفشل لأنها لم تعالج قضية واحدة على الأرض بل تاجر السياسيون بأحلام المواطنين وجهلهم وانتهى الجميع إلى الفشل الحتمى!

لاريب أن الدين الإسلامى (على خلاف المسيحية على سبيل المثال) وضع شريعة وتصور للدولة والدين لا الأخير فقط، كما أنه لاشك لدى فى أن أبناء التيار مخلصون فى نياتهم ومجتهدون لإدراك اهدافهم وقد تعرض آباؤهم وأجدادهم لقمع جلى خلال عهد الجمهورية الأولى ولكن الدولة فى الإسلام تحتاج إلى مناقشات متعمقة لا سطحية حول ماهيتها وحدود البشرى المدنس فى مقابل الإلهى المقدس وفهم النسبية المكانية والزمانية، هذه النقاشات المتعمقة تحتاج إلى مراكز تفكير استراتيجى تضع أوراق عمل تهز ذلك التاريخ الجامد والفهم القاصر للتاريخ البشرى والإنسانى، وتزيل محرمات مناقشة الأسئلة الصعبة (وأحيانا المؤلمة) حول دولة الخلافة ودور الخليفة ودستور المدينة وتجربة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى الحكم والدولة، ثم تحتاج إلى نقاشات أكثر عمقا حول مشاكل المواطنين على كافة الأصعدة وما إذا كانت حلولها فنية وموضوعية بحتة أم قيمية وأخلاقية، لا إلى مراكز أبحاث تقليدية تقوم بأبحاث دعوية وعقيدية تنطلق من مسلمات غير قابلة للنقاش ولا للدحض!

●●●
لن تقوم دولة خلافة بمعناها التقليدى (فى تقديرى) مرة أخرى لأن حقائق جديدة أصبحت على الأرض وتجاهل الأخيرة أو تجاوزها لن يحل المشكلة بل سيعقدها، والأوقع والأكثر دهاء، أن يتم التفكير فى أشكال أخرى للدولة تتعامل مع الواقع الجديد ترتكز على المفهوم (الحضارى) الأوسع بدوره من المفهوم (الإسلامى) الذى يستوعب الآخر ويعيد تأسيس العلاقة معه، لا تحديه وشيطنته واستعدائه وإلا أصبح ذلك مجرد شكل جديد من أشكال الانتحار السياسى عرفته تجارب سابقة لمن يقرأ فلماذا ببساطة نعيد الانتحار الآن؟

من يريد تطبيق الشريعة الآن عليه تحقيق العدالة للمواطنين (كل المواطنين)، لا القفز على المشاكل الموجعة ووضع حلول سطحية لقضايا أخلاقية مثل الفصل بين الجنسين أو إطلاق لحى الشرطة والتى هى بدورها قضايا نتاج لبيئات صحراوية بدائية لا تناسب دولة حديثة وضاربة بعمقها فى التاريخ! مراكز تفكير استراتيجى وفقا للأولويات وسياسات عادلة هو المطلوب منكم لو كنتم تعقلون!