رأسمال ثورتنا

د. أحمد عبد ربه | ٧ أبريل ٢٠١٣ د. أحمد عبد ربه

كثيرا ماتسمع عزيزى القارئ عن تخبط التيارات الليبرالية والمدنية وتشرذمها فى أحزاب وجبهات ومبادرات متعددة فتحكم على التيار الليبرالى بالفشل وعدم الوحدة فى مقابل التيارات الإسلامية الأكثر تماسكا ووحدة! وكثيرا أيضا ماتسمع عن بؤس وضياع شباب الثورة وقلة خبرتهم وتشتتهم فى أحزاب وائتلافات وتيارات لم تعد قادرة (ولا هم بالضرورة قادرون) على عدها وتعتبر أن ذلك مؤشرا محبطا على قلة خبرة وصبيانية هؤلاء الشباب فتترحم على الثورة التى انتهت وفشلت! ثم كثيرا أيضا ماسمعت عن ظهور تيارات وجبهات اخوانية وسلفية وجهادية عديدة فتشعر بالرعب منها وتسأل كما يسأل غيرك من السياسيين من أين ظهر هؤلاء فجأة وكيف ستدار الدولة وفيها هذا الكم من التعدد والاختلاف؟! قطعا سمعت أنت كما سمعت أنا وسمع غيرنا فمصمصنا شفاهنا واستسلمنا ليأس رهيب وأقررنا بفشل الثورة بل وبفشل الدولة نفسها!

يعتبر علماء السياسة أن أحد أسباب التقدم والتنمية فى أى مجتمع على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو مقدارالثقة والاعتماد المتبادل الذى ينشأ بين أبناء المجتمع مما يساعد على التفاعل والتعاون بينهم ويقلل من أهمية وسطوة الرسميات التى تضيع الوقت والجهد لصالح العلاقات الشخصية المبنية على الثقة المتبادلة واحترام القانون فى الوقت ذاته، وهو ما أصطلح على تسميته برأس المال الاجتماعى. فرأس المال الاجتماعى اذن هو عبارة عن شبكات الثقة الموجودة فى المجتمع والتى تسمح بتعاون ايجابى بين افراده يستطيع التغلب على عقبات الرسميات والاجراءات البيروقراطية المعقدة ومن ثم تنسحب هذه الثقة تدريجيا من المجموعات الأضيق إلى المجموعات الأرحب ومن ثم تنعكس ايجابيا على الدولة ككل!

●●●

ولكن يبقى السؤال اذًا كيف نقيس مقدار رأس المال الاجتماعى هذا؟ لعل واحدة من أهم وأبسط الطرق المستخدمة فى قياس رأس المال الاجتماعى فى مجتمع ما هو قياس عدد المنظمات والجمعيات والمبادرات والمؤسسات غير الحكومية وعدد أعضائها! وفى مجتمع مثل الولايات المتحدة فإن عدد هذه المنظمات فى ١٩٤٩ بلغ حوالى ٢٠٠ الف منظمة ثم قفز إلى ١.٢ مليون منظمة فى ١٩٨٩ وهو مايعول عليه الأمريكيون كثيرا…لماذا؟ لأنه وببساطة حتى يستطيع الانسان ممارسة السياسة والولوج إلى العمل العام، فإن عليه أولا أن يكون مدربا على كيفية التفاعل مع الجماعة، وعلى طرح الأفكار وعلى القيادة وعلى حل المشاكل وعلى جذب الأخرين لأفكاره.. إلخ ولأن هذه المسؤلية من المستحيل أن توفى بها الدول لكل مواطنيها، كما أنه من المستحيل أن تقوم الأحزاب السياسية بهذه المهمة نظرا لانشغالها المستمر بالسياسة والانتخابات، فتبقى منظمات المجتمع المدنى هذه هى أحد أهم مراكز التدريب والتأهيل السياسى لأفراد المجتمع.

●●●

لماذا أقول ذلك كله؟ وماعلاقته بالحالة المصرية والتى أدعوك للتفائل بشأنها؟

ببساطة لأن مانراه الأن من تشرذم بين الائتلافات والأحزاب والتيارات الليبرالية ماهو إلا خطوة طبيعية ومتوقعة يتدرب من خلالها المنتمون للتيارعلى ممارسة السياسة بعد أن حرموا منها لسنوات طويلة طوال حكم مبارك. وفى حين أن التيارات الإسلامية كانت أكثر استعدادا عن طريق الانتماء لجماعات وحركات اخوانية وسلفية وجهادية دربتهم وأثقلت خبراتهم عن معنى التنظيم والحركة فى إطار المجموعة والمناورة، والأهم من ذلك هو بناء رأسمالها الاجتماعى الذى يعزز من شبكات الثقة بين أفرادها وبالتالى القدرة على مواجهة التحديات! فإن التيارات الليبرالية والثورية أقل خبرة بكثير من نظيرتها الإسلامية فى بناء تنظيمات وتحالفات والانخراط فى مشاكل المجتمع وصولا إلى الأزقة والحوارى والنجوع، فمن الطبيعى إذا أن يحتاجوا إلى فترة زمنية كى يتمكنوا من اكتساب خبرات التنظيم ومهاراته وبناء شبكات الثقة المطلوبة ومن ثم المشاركة فى العمل العام بثقل وخبرة أكبر.

كما أنه وعلى الجانب الأخر فإن تعدد وتنوع وقوة التيارات الإسلامية لايجب النظر إليه بريبة دائما، ذلك أن انخراط تلك الشبكات والتنظيمات فى العمل العام من شأنه أن يرشد من ممارستها ويجود من أدائها ويقلل من مثاليتها التنظيمية والفكرية للتعامل مع الواقع ومشاكله، مما قد يساهم أيضا مستقبلا فى زيادة مساحات الثقة بين الأطراف المختلفة للعبة السياسية فى مصر، ونظرة سريعة على سياسات حزب النور وقياداته الشابة منذ تأسيسه حتى الأن يعكس مقدار الرشادة والتطور الذى طراء على أدائها وزاد من مساحة الثقة بينها وبين فاعلين أخرين على النقيض من أفكارهم ومبادئهم! ويبقى هنا أن نوجه رسالتين لمن يعنيه الأمر.

●●●

فأولًا: تحتاج التيارات الليبرالية وبحق إلى تنحية قيادتها ونخبها الأكبر من مواقع القيادة إلى مواقع الاستشارة، فلم يعد خفيًا أن جيل الشباب الليبراليين والثوريين كما ضاق ذرعًا بالاخوان فإنه ضاق ذراعين بالنخب الليبرالية الكهلة كثيرة الخبرة وضعيفة الحركة وسطحية الرؤى فى فهم الواقع الجديد.

وثانيًا: فعلى قيادة البلاد الممثلة فى رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس الشورى أن تعرف أن مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذى يعصف بقدرة الأخيرة على العمل ولا ينظر لها إلا من باب التآمر والتخابر مع الخارج سيؤدى الى انتكاسة الحاكم والمحكوم معًا، لأنه لا سياسة ولاتقدم ولانهضة بدون مجتمع مدنى حر وتعددى.. باختصار لاسياسة دون رأس مال اجتماعى والأخير هو رأسمال ثورتنا الحقيقى.