أخونة الدولة أم أسلمتها؟

د. أحمد عبد ربه | ١٢ سبتمبر ٢٠١٢ د. أحمد عبد ربه

قبل أسابيع قليلة على انتخابات الرئاسة المصرية، كنت أتحدث فى المؤتمر السنوى لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عن الصراع المدنى العسكرى على السلطة فى مصر وقلت فى أحد أجزاء مداخلتى أن “مصر ليست مستعدة بعد لرئيس ملتحى” كنت تحديدا أعلق على ترشح السيد أبو اسماعيل والذى ملئت صوره جميع أرجاء وجوانب المعمورة، قلت أنني لست فى عداء ضد اللحية والتى أعتبرها كمسلم سنة عن الرسول (عليه الصلاة والسلام)، كما اننى سأرحب بنجاح الرئيس الملتحى طالما جاء بصناديق الانتخابات وهذه هى الديموقراطية غير المنحازة، ولكننى كنت أعبر عن تخوف من أن يحدث تحول جذرى من أقصي اليمين الى أقصى اليسار ينتج عنه عادة عدم استقرار سياسى شهدته دول عدة فى فترات انتقال مماثلة، قوبلت مداخلتى باستهجان شديد من جانب بعض الحضور وتقبلت ذلك بسعة صدر، لم يكن وقتها الرئيس مرسى قد ظهر فى الصورة كمرشح، (فى الواقع فى مساء ذات اليوم ترشح السيد خيرت الشاطر للرئاسة) ودخلت مصر فى مرحلة جديدة من الجدل اختلطت فيها الأوراق بحيث أصبح الدفاع عن “مدنية” الدولة يعنى بالضرورة الانحياز “لعسكرتها” وهو وضع لم أكن أقبله فأثرت عدم المضى قدما فى طرح رأى السابق حتى لا أساهم فى تزيف الرأى العام والذى شاركت جهات عديدة منذ تلك اللحظة فى صناعته. مرت الأيام وتزايد الجدل حول معنى مدنية الدولة وخاصة بعدما طفت قضية أخرى علي السطح تمثلت فى ضباط الشرطة الملتحين والتى زادت من الصخب وتأكد لى أن ماطرحته قد يكون حاملا بعض الصحة خاصة بعدما تم استغلال تلك الأوضاع فى الجنوح نحو الانحياز للعسكر بدعوى الدفاع عن مدنية الدولة وهو وضع مغلوط فى كل الأحوال شارك فيه (للأسف) من أدعى المدنية والليبرالية . مرت أيام عدة حتى جاءت لحظة الاعادة فى الانتخابات الرئاسية والتى قررت فيها الانحياز للمرشح الملتحى على حساب مرشح النظام البائد المدعوم عسكريا. كانت حساباتى ببساطة أننى لن أقبل أن يتم افزاعى من “اللحية” فانحاز للمعسكر الذى طالما جاهر بعدائه للثورة وانحزت للدكتور مرسى رغم رأى السابق لايمانى أنه فى النهاية رجل انتمى لمعسكر الثورة حتى وان كانت أولوياته ومنهجه فى التغير مخالفا لما أؤمن به. فى هذه الأجواء دعيت لأكون ضيفا فى نشرة التاسعة فى التلفزيون المصرى لأحلل المشهد ولاحظت قبل دخولي استديو الهواء بدقائق معدودة بقائذ عسكرى كبير فى غرفة الاستراحة (بدى لى أنه قائد قوة التأمين على الاستديوهات) وقد علي صوته بحماس متحدثا الى عدد من المذيعين والمعدين ومحاولا استعدائهم على مرسي وسمعت منه للمرة الأولى لفظة (أخونة الدولة) والتي أصبحت ذائعة الصيت بعد ذلك، حاول الرجل أن يصل برسالة الى الجميع مفادها أن الجيش لن يقبل أن تتم أخونة الدولة أو أن يقفز عليها من لن يتركها أبدا طالما (ركبها)! هكذا كانت لهجة الرجل الواثقة والذي لم يكترث لوجودى ربما لعدم معرفته بشخصيتى. دخلت استديو الهواء وقلت رأى بصراحة وانتقدت ماكنت قد سمعته منذ ثوانى وأشهد أن أحدا من فريق العمل لم يؤخذنى بعدها أو يعاتبنى وقد دعيت بعدها مرات للحديث وهو أمر رأيته محمودا فى تلفزيون الدولة فى هذه اللحظات العصيبة على أىة حال. ومنذ أن نجح الرئيس مرسى ولم يمر أى قرار اتخذه الرجل مهما كانت جرئته أو ثوريته إلا وترددت لفظة صاحبنا العسكرى فى أن الدولة تتأخون!، بدا الاتهام يحمل وجاهة في بعض الأحيان ويحمل افتئات فى أحايين أخرى، فلايمكن القول مثلا بأن الحكومة أو حركة تغيرات المحافظين أو القرارات الأجرئ فى تغير القيادات العسكرية أو الجهات الرقابية والمحاسبية (متأخونة)! فنسبة من تم تعينه من جماعة الاخوان وحزب الحرية والعدالة فى كل هذه الحالات أقل بكثر من نسبة من تم تعينهم منتمين لتيارات وأحزاب أخرى، بل أن النسبة كانت صفرية في تعديلات الجيش والجهات الرقابية مثلا! فأين أخونة الدولة اذا؟ فى رأى أن أخونة الدولة ليس لها وجود (على الأقل حتى الأن) وانما هناك اتجاه قوى لاظهار “الهوية الاسلامية” للدولة فى مفاصلها الرسمية وهو أمر محمودا ولكن بحدود كيف؟! أعنى أنه من الطبيعى بل والمحمود أيضا أن تتصالح أجهزة الدولة مع الديانة الرسمية لأغلب مواطنيها فنرى رئيس الدولة وبعض مسؤليها الرسمين ملتحين ومؤدين الفروض والسنن فى المساجد ونرى أيضا مذيعات تلفزيون الدولة ومضيفات شركة طيرانها الرسمية وقد ارتدت بعضهن (بارادتهن الحرة) الحجاب. هذه ليست أخونة للدولة ولكنها عودة الى واقع وحقيقة مجتمع عمد النظام القديم بعنصرية وصلف شديدين على تجاهله وطمسه ولكن أين يجب أن تكون الحدود اذا؟ فى رأى أن هناك ثلاثة حدود لا يجب تجاوزها حينما تعبر مؤسسات الدولة الرسمية عن هويتها الاسلامية وهى : (١) ألا تطمس أو تجبرالأخر على الالتزام بهذه الهوية: فيظل من حق غير المحجبات وغير الملتحين الحصول على حق الظهور والتعبير والمشاركة فى صنع القرارت الرسمية، (٢) ألا تتجاوز الكفاءة لحساب المظهر: فعدد كبير من حركة التعينات والتغيرات الأخيرة يعوزهم المهارة والكفاءة بغض النظر عن مظهرهم، (٣) ألا تخلط السياقات: فلايعيب الرئيس ولا المسؤل أن يصلى فى المسجد ولكنه لن يكون مقبولا أيضا أن توجه الخطب والتصريحات الرسمية والتوجيهات التنفيذية من على المنابر أو بالجلباب! ذلك أن هذه سياقات غير محايدة وفيها خلط للعام بالخاص (بالنسبة لعموم المواطنين) فيشعر المواطن القبطى وغير المسلم عموما بالاستبعاد والغربة داخل دولته وهو أمر خطير ويضرب المواطنة فى مقتل! نعم جميل أن تعود الدولة الى التصالح مع هوية مواطنيها ولكن حذارى أن تجرنا العاطفة الدينية أو المصالح الانتخابية الضيقة الى التضحية بباقى المواطنين أو تجاهلهم ففى ذلك عودة الى عهود مظلمة ظننا أن تجاوزنها بثورتنا!