200 مليار!!!

أ. عمر الشنيطي | ١٠ مارس ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

لقد أصبح رقم “٢٠٠ مليار دولار” هو الأشهر والأكثر تداولاً في الآونة الأخيرة عند الحديث عن الطموحات الإقتصادية في مصر. وقد تردد هذا الرقم في ثلاثة مواضع على وجه التحديد. الأول كانت وقت انتخابات الرئاسة حين أكد الدكتور مرسي آنذاك أن مجموعة من الشركات الأجنبية قد وعدت باستثمار “٢٠٠ مليار دولار” في مصر خلال أربع سنوات، واعداً الناس برخاء اقتصادي في عهده. الثاني كان وقت الحديث عن الصكوك حين أكد بعض الخبراء آنذاك أن قانون الصكوك سيجلب “٢٠٠ مليار دولار” لمصر خلال عام ثم تم تعديل التوقع ليكون خلال اربعة أعوام. أما الثالثفكان في الأيام القليلة الماضية وقت الحديث عن تأجير المناطق الآثريه لمستثمرين أجانب (إن صحّت هذه الأخبار) و أنها يمكن أن تجلب أيضا “٢٠٠ مليار دولار” للدولة. صدفة عجيبة أن كل المشروعات التي تُطرح في عهد الإخوان ستجلب نفس الرقم وهو “٢٠٠ مليار دولار”.

إن نظرية المؤامرة التى يطبقها الكثير من الناس حاليا على كل ما يحدث في مصر، تقضى بأن هناك فعلا “٢٠٠ مليار دولار” في مكان ما وعد بها أحد ما الإخوان. لكن فى الواقع يصعب تصديق ذلك حيث أن هذا الرقم كبير جدا حتى على حلفاء الإخوان. فبعيدا عن نظرية المؤامرة، هذا الرقم أقل ما يوصف به أنه خيالي وهذا ينطبق على الثلاثة مواضع التي ذكر فيها.

بخصوص أول “٢٠٠ مليار دولار”: لسنوات متعددة قبل الثورة تراوح متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر سنويا من ٨ إلى ١٠ مليار دولار. و قد انخفض الاستثمارالأجنبي بعد الثورة لقرابة الصفر. و بالتالي ليس من المعقول أن يزيد بعد تولي الإخوان مقاليد الحكم لخمسة أضعاف ما كانت عليه قبل الثورة.

أماعن ثاني “٢٠٠ مليار دولار”: نجد أن إجمالي سوق الصكوك العالمي بلغ ٣٠٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٢ ويتوقع زيادته إلى ٩٠٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٧. و قد تصل حصة مصر ١٠-١٥% من السوق أي ١٠٠ إلى ١٥٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٧، تبدأ بحصة منخفضة ثم تزيد بمرورالوقت. و بالتالي ليس من المعقول أن تسطيع الصكوك أن تجلب هذا الرقم في عام أو حتى في أربعة أعوام.

وأخيراً ثالث “٢٠٠ مليار دولار”: حتى و إن تم الموافقة على قانون تأجير المناطق الآثريه لمستثمرين أجانب حتى وإن شمل ذلك المناطق الآثريه الرئيسية فإنها لا يمكن أن تجلب هذا الرقم الكبير حتى على عشرة سنوات فهذا يعني ٢٠ مليار دولار سنويا و هذا ليس من المعقول حيث أن إجمالي إيراد قطاع السياحة في مصر قبل الثروة كان يتراوح سنويا بين ١٠ إلى ١٢ مليار دولار.

ترويج هذه الارقام له عواقب وخيمة لعدة أسباب:

أولا: الإستمرار في ترويج الوعود الإقتصاديه التي لا تتحقق يفقد الناس الثقة في السلطة وما تستطيع فعله وما تعد به.

ثانيا: صدفة “٢٠٠ مليار دولار” العجيبة حولت وعود السلطة الإقتصاديه و أحاديثها لإضحوكه يتحاكى بها الجميع.

ثالثا: ربط بعض الأدوات و الهياكل المالية الجديدة مثل الصكوك وتأجير المناطق الآثريه وغيرها بأرقام خيالية لايمكن تحقيقها يقتل هذه الأدوات والهياكل المالية على الرغم أن بعضها قد يكون مفيدا.

لذلك على من يحكم مصر أن يعيد النظر في الوعود الإقتصاديه من حيث المضمون و الترويج الإعلامي لها سواء خرجت بشكل رسمي أو بشكل من هو قريب منها. فيجب أن تتم استشارة أهل الخبرة بدلا من أهل الثقة والتأكد من القدرة على التنفيذ قبل التصريح بهذه الوعود الخيالية. فإن إستمرارية ظاهرة الوعود الخيالية التي لا تتحقق يكسب السلطة صورة ذهنية شديدة السلبية حتى تتحول لقناعة وثيقة ويفقد الناس الثقة في السلطة وهو ما لا يحمد عقباه.