مصداقية الخطاب الاقتصادي

أ. عمر الشنيطي | ٢٢ أبريل ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

الوضع الاقتصادي المصري محل اهتمام كبير من المتخصصين و العوام على حد سواء. فقد بدأت عوارض الأزمة الاقتصادية بالظهور بشكل واضح في الأونة الأخيرة. هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة لكن نتيجة تراكمات لتوجهات اقتصادية تبنتها مصر لعقود و الفترة الإنتقالية التي أعقبت الثورة أضعفت من الاقتصاد بشكل كبير و لم يستطع الدكتور مرسي و إدارته حتى الآن السيطرة على الوضع الاقتصادي .و بدأ الناس يشعرون بهذه الأزمة في حياتهم اليومية متمثلة في ارتفاع الأسعار و نقص المواد البترولية من حين لآخر و كذلك المضاربة على الدولار و التي زادت من قلق الناس بشكل كبير في الفترة الأخيرة. لذلك يستشرف الناس التصريحات و الاحاديث الرسمية عن الاقتصاد لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور.

في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد يصبح الخطاب الاقتصادي الرسمي و شبه الرسمي في غاية الأهمية إذ أن المتلقين يبنون تصوراتهم عن الوضع و ما سيحدث في المستقبل بناءعلى هذا الخطاب. و هناك حرج شديد في كيفية مشاركة و مصارحة الناس عن حقيقية الوضع. هل من الحكمة أن يتم مصارحة الناس بالوضع الاقتصادي المزري الذي وصلنا إليه و الإحتمالات المختلفة في المستقبل؟ أم من الحكمة أن يتم تغييب الناس عن الواقع المرير وطمأنتهم أن الأمور تحت السيطرة و أن النهضة آتية لا محالة؟

سؤال هام و حرج في حقيقة الأمر. للإجابة عليه تخيل أنك تعيش حياة طبيعية و لا تعاني من أية أمراض لسنوات طويلة ثم فجأة بدأت تظهر عليك أعراض غريبة لم تكن تعتادها و بدأت تسأل الأقارب و الأصدقاء فبدأ كل منهم يتبرع بتحليلاته غيرالعلمية فمنهم من يقول لك أنك تعاني من السرطان والآخر يقول لك أنك سليم وهذا نتيجة الإجهاد فقط و آخر يقول لك أنك تعاني من برد و تحتاج مضاد حيوي ولأنك لست طبيبا و لأن أعراض المرض في ازدياد و لأن هناك من أخافك من احتمال كونه مرض السرطان قررت أن تزور ثلاثة أطباء أكفاء و مشهورين في تخصصهم للتحقق من الأمر.

الطبيب الأول: طبيب معروف أنه صريح جدا و عابس في كثير من الأوقات لكنه كفء جدا. بعد الكشف عليك و إجراء التحاليل اكتشف هذا الطبيب أنك مصاب بمرض السرطان و فاتحك في الأمر و ظل يتحدث عن صعوبة هذا المرض و الإحتمالية الضعيفة للشفاء منه. و حينما سألته عن العلاج ذكر لك كيف أن العلاج مكلف و متعب بل كيف أن احتمالية الشفاء ضعيفة جدا حتى بعد العلاج.

الطبيب الثاني: طبيب معروف أنه شديد التفاؤل و لا يرجح استخدام الأدوية و في أغلب الأوقات لا يصارح المرضى بالحقيقة خاصة حينما تكون حالات صعبة. بعد الكشف عليك و إجراء التحاليل اكتشف هذا الطبيب أيضًا أنك مصاب بمرض السرطان و لكنه لم يصارحك بحقيقة الأمر و طمأنك أنك ستكون بخير و كتب لك بعض الأدوية. و حينما سألته عن خطورة المرض قال لك إنه لا داعي للقلق فالأمر بسيط.

الطبيب الثالث: طبيب معروف أنه متوازن و مهني لا يميل للتفاؤل أو التشاؤم لكن يرصد الأمور بطريقة علمية. بعد الكشف عليك و إجراء التحاليل اكتشف هذا الطبيب أيضًا أنك مصاب بمرض السرطان. جلس هذا الطبيب ليكلمك فتحدث عن أنواع الأمراض المختلفة و أنه لا داء بغير دواء ثم أخذ يتحدث عن مرض السرطان ليشرح لك طبيعته و طريقة علاجه .و حينما سألته عن خطورة المرض ذكر لك أن المرض خطير بطبيعة الحال لكن هناك علاج رغم كون العلاج قاسي و مكلف و طلب منك أن تساعده بالصبر و الإنتظام على العلاج.

بعد زيارة الأطباء الثلاثة أصبح عليك أن تفكر في أيهم تصدق و تأخذ برأيه؟ بعد أن أكد لك الطبيبان الأول و الثالث أنك مريض و بعد أن زادت أعراض المرض فلن تصدق الطبيب الثاني شديد التفأول و الذي لم يصارحك بحقيقة الوضع و ربما تستنتج أنه غير كفء و لم يستطع تشخيص المرض.

الآن أمامك أن تختار بين الطبيب الأول و الثالث. على الرغم من أن الطبيب الأول شخص المرض و صارحك بحقيقة الوضع إلا أن أسلوبه المتشائم و عدم إيمانه بنتيجة العلاج أفقدتك الثقة به. لذلك سينتهي بك المطاف لإختيار الطبيب الثالث. ذلك الطبيب استطاع أن يشخص المرض و صارحك بالحقيقة لكن في نفس الوقت توازنه و إيمانه بنتيجة العلاج أعطتك الثقة به و بقدرته على علاجك.

إذا حينما تصاب بمرض شديد فأنت تفضل الطبيب المتوازن الذي يصارحك بالحقيقة و يعطي لك الأمل في العلاج و لن تسمع لطبيب شديد التفاؤل قد يخفي عنك حقيقة مرضك أو طبيب شديد التشاؤم يفقدك الأمل في العلاج. هذا الخيارلا ينطبق فقط على اختيار الطبيب بل أيضًا على تصديق المسئولين.

هذا الكلام لك عزيزي المسئول سواءا كنت رئيسا للجمهورية أو رئيسا للوزراء أو وزيرا. فحينما لا يكون لك حديث إلا عن الإنجازات التي تتحقق في عهدك ناكرا الوضع الاقتصادي الصعب الذي يتأزم بمرور الوقت و الذي يشعر به عامة الناس في حياتهم اليومية و يعلمه جيدا المتخصصون في الداخل و الخارج و تشير إليه المؤسسات الدولية بين حين و آخر بينما تتمادى أنت في إعطاء الوعود الخيالية فلا تتعجب أن الناس لا تصدقك فما يعيشونه مختلف تماما عما تتحدث عنه (هذا لا ينفي وجود إنجازات على المستوى التنفيذي و التشغيلي في بعض الجهات لكن الصورة الكلية في غاية السوء). و أنت بذلك تفقد ثقة الناس بك و بالدولة و بالحزب الذي دعمك. ليس مطلوبا منك أن ترسم صورة حالكة السواد للوضع لأن ذلك سيفقد الناس الأمل و يجعلهم يتصرفون بفزع كما أن الناس لن تسمع لمسئول لا يرى حلا لأزمتهم. المطلوب منك عزيزي المسئول أن تتوازن فتصارح الناس بحقيقة الوضع مهما كانت صعبة و تشاركهم خطتك للسيطرة على الأمر موضحا العقبات التي ستواجهك و تواجههم معك. هذا هو التوازن الذي يريده الناس و هذا ما سيكسبك الشعبية و التأييد الذي تحتاج.