ماكينات صناعة الفقر…

د. ريم عبد الحليم | ٨ يناير ٢٠١٣ د. ريم عبد الحليم

في ظل الصراعات السياسية وغياب الرؤية حول المستقبل من الجميع معارضةً قبل الحكومة وحكومة قبل المعارضة، صدر أول تقرير حول الفقر في مصر بعد الثور الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، ليصدمنا بحقيقة ازدياد نسبة الفقراء في مصر، فقد ارتفعت نسبة السكان تحت خط الفقر وفق ” الإحصاءات الرسمية حول فئات الدخل و الاستهلاك” من 21.8% في عام 2008 إلى 25% من الشعب المصري في عام 2011، لتسجل الزيادة في أعداد السكان تحت خط الفقر في مصر حوالي 10% عن مستواها فى عام 2000 . تركزت هذه الزيادة بشكل كبير في صعيد مصر، إنها عدم العدالة إذاً وليس الفقر المطلق…

لازلنا نغمض أعيننا ونتبع سياسة أيها الفقير انتظر قليلاً.. سوف تتساقط عليك ثمار الاستقرار..سوق تتساقط عليك ثمار الاستقرار .. عليك بالصبر وانتظار الجزاء ..يسوف يبدل الله حالك من حال إلى حال.. عليك أن تنتظر ثم تنتظر..ولا تسأل عما تنتظره…

عزيزي المحتاج… مع تصاعد الأزمة الاقتصادية… عليك أن تتحمل “برامج الإصلاح والتثبيت الهيكلي” و”سياسات التصحيح” و”سياسات التقشف” و”شد الحزام” و”مراجعة أطر الدعم الحتمية ” و”ارتفاع أسعار بعض السلع” حتى نعبر من عنق الزجاجة لتطل عليك الدولة بعد سنوات حاملةً أنهار الخير وثمار النمو…فهل يأتي هذا اليوم؟! أتمنى ذلك …

*******

لكي يأتي هذا اليوم يجب أن نتوقف حكومةً وشعباً للحظات ونفكر، كيف ينتج الفقر في مصر ؟!

ليس ارتفاع الأسعار وجمود الدخول وحدهما هما المسئولان عن تفاقم الفقر فى الحالة المصرية، فبمراجعة العدالة التوزيعية في مصر نستطيع أن ندرك بسهولة أن القضية لم تعد تحتمل شعار “معالجة الفقر” أو “إخراج الفقير” –فعلاً- من حالة الفقر” من خلال زيادة الأجور ودعم السلع، فإن عالجا الفقر المطلق لن يعالجا الفقر النسبي…

فالدولة تمتلك بين سياساتها التوزيعية والتنموية ماكينات لصناعة الفقر.. ماكينات استطاعت أن تنتج 3.2 مليون فقير في غضون ثلاث سنوات…

فالسياسة التنموية المصرية بوضعها الحالي والموروث منذ ما قبل الثورة، تغفل جانب العدالة الجغرافية في توزيع الموارد، لتنتج حرماناً مرتبط بمكان السكن الخاص بالمواطن المصري.. يبدو هذا جلياً إذا عرفنا أن نصيب الفرد من الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة في أسيوط والمنيا وقنا لا يزيد عن 25% من نصيب الفرد في محافظات القاهرة و الإسكندرية وبعض محافظات القناة وفق بيانات التوزيع الجغرافي للاستثمارات المستهدفة فى خطط التنمية المصرية المتتابعة…

تضاف لذلك مشكلات توزيع الموارد بين الريف والمدن، فالاستثمارات الحكومية للبنية التحتية والتنمية البشرية تتوجه وفق الكثافة السكانية وليس وفق الاستحقاق.. وهو ما ينتج عنه حرمان المناطق النائية من الخدمات التي تعتبرها الأعراف والدساتير حقوقاً إنسانية لا يحيا بدونها الإنسان…

ومن ثم فأول مراحل صناعة الإنسان المصري تنتج للمجتمع شخوصاً لم تتح لها الفرصة العادلة لتحمل من المهارات ما يحميها من غبن الاقتصاد الرأسمالي.. وفى إطار المركزية الشديدة في إدارة الدولة تسد أمام هؤلاء قنوات الصراخ للمطالبة بالحقوق وقنوات الاتصال الحكومي المعرفة بوجود حقوق من الأساس..فلا نستغرب إذاً حين وقعت على آذاننا كلمات احتساب الآباء أبنائهم بعد حادث قطار أسيوط.. لتعبر عن المأساة بكلمة واحدة وهى “الحمد لله قضاء الله وقدره..هو عامل المزلقان غلطان..بس برده الحمد لله” .. هذه الكلمات العظيمة المستغيثة برب العالمين تحمل بين معانى الإيمان معانى الاستسلام وعدم معرفة الإجابة على تساؤل “كيف وصل بنا الحال ليقتل خطأ صغير خمسين حلماً”، وماتت الأحلام وهدئ الحديث عن الحادثة مثلها مثل سابقيها… وما زال الفاعل معلوم…إنها ماكينة صناعة الفقر…

من ناحية أخرى، هناك عدم عدالة في توزيع الموارد المالية، فالدعم في مجمله يعتمد على حجم الاستهلاك، “استهلك كمية أكبر..ترفع قيمة الدعم الذي تحصل عليه.. نظام الكومبو” فهو دعم للأغنياء وليس للفقراء، لا ينتج عنه سوى مزيد من إساءة توجيه الموارد..فلو كان ناجحاً بالكامل ما زاد عدد الفقراء في مصر بهذه الصورة .. يضاف لذلك تعقيدات بيروقراطية وحرمان من التمويل يصبان فى تضخيم حجم العمالة باليومية والسوق غير الرسمى دون تأمين أو حد أدنى للأجور.. فالتمويل متاح بصورة أكبر للأقدر وليس للأكثر احتياجاً..

*******
تنتج سياسات التوزيع والتنمية شخوصاً تكون الفئات الفئات الهشة، وتكون هذه الفئات هى أول المتأثرين بالأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية، العامل البسيط، الأرزقجى.. وغيرهم .. ممن يعملون مع عدم وجود برامج تأمين تكافلي أو شبكات ضمان اجتماعي أو تأمين صحي حقيقى- وليس الحكومي الذي لا يتعدى نصيب الطالب فيه 12 جنيه فى السنة ونصيب المرأة المعيلة 32 جنيه فى السنة – لتطلب منهم مع أي أزمة التحمل والانتظار حتى تعبر موجة الغلاء، وحتى يلملم الكساد أشرعته، ليبدؤوا من جديد رحلة الشقاء من أجل البقاء..

لا شك أن عجز الموازنة متفاقم، ولابد من التحكم فيه فوراً، ولا شك أن نظام الدعم الحالي يفيد الغنى عشرات أضعاف الفقير، ولكن لا شك كذلك أن تغييره يجب أن يتم بآليات شديدة الدقة، بحيث لا تؤدى إلى مزيد من استغلال الفقراء من قبل محترفي السوق السوداء، فتتحول الحكومة التي لا أشكك في نزاهتها ونظافة يدها فعلاً دون قصد إلى شريك فى السوق السوداء وليس مناهضاً لوجودها، وبحيث تضمن أولاً القدرة على عدم إغفال أي فرد فقير ، ومع خلق آليات بديلة موازية للحماية من الفقر ..على الأقل طالما اختارت الدولة الاستمرار في صناعته…

*******
أرجو ألا تحمل الحكومة الفقراء مرة أخرى تبعات عبور الأزمة الاقتصادية، بل يجب أن تبدأ الدولة فى مراجعة شبكات الضمان الإجتماعى لتشكلها بصورتها المعروفة في البرازيل والمكسيك بل وفى بعض الدول الأفريقية ولن أقول في اقتصادات الرفاه… بحيث تضمن للفقير الحماية والتطوير.. في إطار برامج متكاملة صاغتها التجربة الدولية ، التي أثبتت أن الفقراء دون تدخل الدولة لإنقاذهم كانوا هم أكثر الناس تضرراً من الأزمات المالية في دول أمريكا اللاتينية العقدين الأخيرين من القرن الماضي، بما لم يعد يترك مجالاً للشك بأن سياسة الدور الحيادي للدولة ووقوفها على مسافةً واحدة من فئات الدخل المختلفة أثبتت ظلمها…

وبعيداً عن الأزمة لابد من التوجه لحل مشكلة الفقر حلاً جذرياً فإعادة توزيع الموارد كما فى الأطر الاشتراكية لن يؤدى إلا لصعوبة إدارة الموارد الموزعة كما أنه لا يمكن أن يحقق تنمية مستدامة مع تفتت الملكية، فى الوقت ذاته فإن الاعتماد على شبكات الأمان الاجتماعي وحدها لا يمكن أن يكون الحل حيث يحول الفقير للمواطن “المعيل” أو باللغة العامية “العالة” على المجتمع ولا يمكن أن تكفى موارد الدولة بشكل مستمر الأعداد المتزايدة من الفقراء..

فلابد من تعطيل ماكينة صناعة الفقر ذاتها بإعادة النظر فى توزيع الاستثمارات والنمو و اللامركزية بحيث يتم رسم صورة تنموية تستوعب كل مجتمع محلى وكل فئة على خصوصيتها، لا تقوم على نظم “قاطرات النمو” بل “النمو من أجل الكل والكل من أجل النمو”..

*******
وأخيراً، لابد ألا ننسى أن الدولة إذا قذفت السلم بعيداً عن الفقراء..فلا تنتظر أن يستطيعوا وحدهم الصعود للحاق بركب التنمية… وإذا لم تقذف لم القشة التي يتعلقون بها لا تنتظر أن ينجون أصحاء من الأزمات الاقتصادية… ولا تنتظر أن يخرجون دون خسائر عبر سياسات الإصلاح المالي وسياسات التقشف المزعوم إتباعها من قبل الدولة في الأجل القصير .. الفقراء لا ينتظرون يا سادة ليس لأنهم لا يرغبون فى انتظار “الإصلاح”؛ بل لأن الدولة لم تملكهم آليات تساعدهم على الصبر والانتظار… وإن انتظروا لا يجب أن تتفاقم أعدادهم.. لا أستطيع أن أصرف عن ذهني صورة الأب الفقير فى صعيد مصر الذي قال لي “إذا نام ابني هذا دون عشاء ليلة واحدة، لا تحدثيني عن إصلاح أو دولة أو مراحل تسمنوها انتقالية”، ما بالكم إن نام هو دون ابنه أصلاً؟! … ارحموهم يرحكم الله…

*******