عشرة تحفظات على الصكوك

أ. عمر الشنيطي | ١٥ مارس ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

بعد طول انتظار و جدل شديد، صدر مؤخرا قانون الصكوك بعد موافقة مجلس الشورى عليه. و لعل قانون الصكوك من المواضيع التي كثر الحديث عنها في الفترة الأخيرة نظرا لما يلحق به من مخاوف من وجهة نظر البعض. بينما يرى الإسلاميون الذين تبنوا هذا المشروع أنه إنطلاقة حقيقية للاقتصاد معلقين آمالا عريضة على ما تستطيع الصكوك أن تقدمه لمصر في مثل هذه الظروف. بعيدا عن الإشاعات و المزايدات، وجب التعليق على عشرة تحفظات تثار حول الصكوك بشكل موضوعي:

أولا: عدم موافقة الصكوك لأحكام الشريعة:

تم عرض مشروع قانون الصكوك أولا على الأزهر تحت مسمى “قانون الصكوك الإسلامية” فرفضه الأزهر لأسباب مختلفة ثم تم تعديل بعض بنوده لكن تحت أسم “قانون الصكوك” بعد حذف “الإسلامية” و تمت مناقشته ثم التصويت عليه في مجلس الشورى بدون عرضه مرة أخرى على الأزهر. و تم تمرير القانون على الرغم من وجود اعتراضات على ذلك لعدم دستورية هذه الخطوة من وجهة نظر البعض و كذلك ما تلصقه هذه الخطوة بالصكوك أنها غير موافقة لأحكام الشريعة بسبب رفض الأزهر للقانون و هو ما قد يطعن في مصداقيتها. هذا التحفظ له وجاهته و قد يعتبر من سقطات هذا القانون بشكل كبير لكن سيتم التغلب عليه بتكوين لجان شرعية لإصدارات الصكوك تفتي بشرعية هذه الإصدارات و هو المتعارف عليه في كثير من البلدان. لكن في النهاية هذا التحفظ سيؤدي إلى تقليل الطلب المتوقع على هذه الصكوك خاصةً من داخل مصر.

ثانيا: بيع أصول مصر الإستراتيجية للأجانب:

القانون أكد عدم جواز استخدام الأصول الثابتة المملوكة للدولة ملكية عامة )مثل نهر النيل و الأهرامات و قناة السويس) أو منافعها لإصدار صكوك حكومية فى مقابلها. و لذلك لا خطر حقيقي في هذا التحفظ. و بشكل عام مثل هذه الصفقات كبيع الأهرامات و قناة السويس تعتبر دربا من دروب الخيال.

ثالثا: صورة جديدة لخصخصة القطاع العام:

القانون أتاح التعامل على الأصول المملوكة للدولة ملكية خاصة)مثل: شركات القطاع العام( حيث سمح بإصدار صكوك فى مقابل حق الانتفاع فقط دون ملكية الرقابة. و حينما تذكر شركات القطاع العام تعود إلى الذاكرة تجربة “الخصخصة” و لذلك يتحفظ البعض على القانون من هذا الدافع و هذا التحفظ له وجاهته. فالقانون يعطي حق الانتفاع فقط دون ملكية الرقابة لهذه الأصول. ففي حالة الصكوك التي تعتمد أرباح ثابتة مثل صكوك الإيجارة أو المرابحة فإن هذه الصكوك تضمن بشكل كبير ربح معين بصرف النظر عن أرباح و خسائر هذه الشركات المصدرة للصكوك. و هذا قد يكون أسوء من الخصخصة حيث يضمن الربح للمستثمر دون تحمل مسئولية الإدارة أو الخسارة. لكن هذا التحفظ يزول في حالة استخدام صكوك بها مشاركة في المكسب و الخسارة مثل صكوك المشاركة و المضاربة إلى ما غيرها. و لذلك لا بد من وجود رقابة شعبية للتأكد من عدم حدوث ذلك.

رابعا: استخدام الصكوك لتمويل عجز الموازنة:

من المفترض أن لا تستخدم الصكوك لتمويل عجز الموازنة بل توجه حصيلة الصكوك لتمويل ما تحتاجه البلاد من مشروعات بنية أساسية أو استثمارية. و هذا سينعكس بشكل غير مباشر على تخفيض عجز الموازنة أو إعادة توجيه هذه المبالغ إلى قطاعات أخرى. لكن هناك خطر من أن تقوم الحكومة بإعادة تمويل بعض الأصول المملوكة للدولة ملكية خاصة لتوفير تمويل عجز الموازنة و هذا سيكون ملجأ للحكومة على المدى القصير لكن له آثار سلبية على المدى البعيد. و لذلك لا بد من وجود رقابة شعبية للتأكد من عدم حدوث ذلك.

خامسا: التكلفة المرتفعة على ميزانية الدولة:

بسبب عدم ثبات العائد في أغلبية الصكوك فإن متوسط العائد المتوقع عليها يكون مرتفعا و هذا يزيد العبء على ميزانية الدولة إذا استخدمت الصكوك في تمويل عجز الموازنة. لكن إذا لم تستخدم الصكوك لتمويل عجز الموازنة كما يفترض فلا خطر في هذا التحفظ.

سادسا: الإعتماد المبالغ على الإستثمار الأجنبي:

يتم تصوير الصكوك على أنها ستجلب الكثير من الأموال في صورة إستثمار أجنبي مما يزيد من اعتماد الدولة على الإستثمار الأجنبي في مشروعها التنموي. وهذا التحفظ له وجاهته و ينطبق بشكل عام على رؤية الحكومة و التي تضخم من أهمية و دور الإستثمار الأجنبي في التنمية أكثر مما يجب و تصوره على أنه الملجأ و الملاذ.

سابعا: إعادة إنتاج شركات توظيف الأموال:

يقرن الكثيرون صكوك الشركات الخاصة بتجربة “شركات توظيف الأموال” حيث ستستطيع شركات من القطاع الخاص جمع أموال من الأفراد بكميات كبيرة من خلال إصدار صكوك. وهذا التحفظ له وجاهته أيضًا لذلك لابد من وجود شروط محددة، سواء من حيث الخبرة المسبقة أو نوعية النشاط، حتى يسمح للشركات الخاصة إصدار صكوك كما يجب وجود رقابة مالية صارمة على نشاط هذه الشركات.

ثامنا: عدم واقعية حصيلة إصدار الصكوك:

تم التصريح من قبل خبراء أن الصكوك ستجلب٢٠٠ مليار دولار و أثار ذلك الرقم تحفظ الكثيرون لعدم واقعيته. فإذا نظرنا للأرقام، نجد أن إجمالي سوق الصكوك العالمي بلغ ٣٠٠ مليار دولار بنهاية وتتوقع التقارير زيادة سوق الصكوك إلى ٩٠٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٧. و قد تصل حصة مصر إلى حوالي ١٠٠ إلى ١٥٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٧، أي متوسط ٢٠ إلى٣٠ مليار دولار سنوياً. و قد تداركت وزارة المالية هذا الأمر بالتصريح بأن الحصيلة المتوقعة من الصكوك حوالي ١٠ مليارات دولار سنويا في البداية لكن الرقم الذي يتم تداوله ما يزال ٢٠٠ مليار دولار.

تاسعا: وسيلة لإنتاج رجال أعمال ينتمون للتيار الإسلامي بشكل سريع:

يعترض البعض على قانون الصكوك ظنا أن صكوك الشركات الخاصة ستكون وسيلة لإنتاج رجال أعمال ينتمون للتيار الإسلامي بشكل سريع حيث سيستطيعون جمع أموال من الأفراد بكميات كبيرة من خلال إصدار صكوك. لكن هذا التحفظ لا ينطبق فقط على رجال أعمال ينتمون للتيار الإسلامي بل على جميع رجال الأعمال و ما يهم هنا هو وجود رقابة ماليه صارمة على من يصدر الصكوك بصرف النظر عن خلفيته.

عاشرا: الصكوك قد تكون نكسة للتمويل الإسلامي:

يخشى الكثيرون أن يكون قانون الصكوك بمثابة النكسة للتمويل الإسلامي بسبب التسرع في إصدار القانون و احتمالية سوء تطبيق إصدارات الصكوك خاصةً في البداية. و هذا التحفظ له اعتبار كبير حيث أن إصدار القانون دار حوله جدل شديد في أوساط السياسيين و الاقتصاديين و الشرعيين و ما زال هناك الكثير من التحفظات كما سبق ذكرها مما يشير بأن تطبيق القانون و إصدارات الصكوك ستكون محفوفة بمعارضة شديدة.

على الرغم مما سبق ذكره من تحفظات سواء ما به وجاهة و ما ليس به، فإن الصكوك لها آثارا إيجابية كثيرة. فاستحداث أدوات مالية جديدة هي دائماً علامة إيجابية والصكوك من المفترض أن تساعد على تنشيط الاستثمار خاصة في المشروعات الكبيرة. كما أنها من المفترض أن تجلب استثمارات من المؤسسات المحلية والإقليمية الباحثة عن استثمارات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. لكن يجب أخذ التحفظات السابق ذكرها في الإعتبار لضمان نجاح التجربة.