سيناريوهات الدولار

أ. عمر الشنيطي | ٨ أبريل ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

شهدت الأيام القليلة الماضية ارتفاع كبير و سريع في سعر صرف الدولار. وسعر صرف الدولار له آثار متعددة على مختلف طبقات الشعب. فبالنسبة لمن لديه مدخرات ارتفاع الدولار يعني فقدان جزء من ثروته إذا كانت مدخراته بالجنيه المصري و لذلك سارع الكثير من الناس بتحويل مدخراتهم من الجنيه إلى الدولار في السوق السوداء على أسعار صرف شديدة الارتفاع مخافة من أن يرتفع الدولار أكثر من ذلك. لكن تأثير ارتفاع الدولار لا يقع فقط على الأغنياء كما يتصور البعض بل يقع الأثر الأكبر منه على عموم الناس الذين يواجهون حالة من ارتفاع الأسعار في معظم السلع بحجة ارتفاع الدولار .

لكن لماذا لم يصعد الدولار قبل ذلك؟

لم يكن بالغريب أن يعاني الاقتصاد بعد الثورة من تباطؤ فى النمو وازدياد فى عجز الموازنة والميزان التجارى. و قد أثر ذلك على الكثير من موارد الدولار كالسياحة و الاستثمارات الأجنبية التي انخفضت بشدة بينما استمرت قنوات صرف الدولار و على رأسها الاستيراد في الزيادة، مما أدى إلى عدم وجود توازن بين العرض والطلب على الدولار. و كان هناك سيناريوهين لكيفية إدارة الوضع :

الأول: أن إحتياطي النقد الأجنبي كان ٣٦ مليار دولار وقت الثورة و هذا المستوى المرتفع يعطي للبنك المركزي القدرة للدفاع عن الجنيه لفترة المرحلة الإنتقالية والتي بعدها سيستقر الوضع. لتبدأ مصادرالدولار بالازدياد و على رأسها السياحة، قرض صندوق النقد و الاستثمار الأجنبي مما سيضيف وقتها إلى إحتياطي النقد الأجنبي. و لذلك فإن على البنك المركزي أن يدافع بإستماتة عن الجنيه طوال المرحلة الانتقالية منعًا للتضخم الذي سيكون النتيجة الأساسية لانخفاض الجنيه.

الثاني: أن المرحلة الانتقالية لن تنتهي في الوقت القريب ،وأن انتخاب رئيس مدني و إقرار دستور جديد – على الرغم من كونها خطوات هامة – إلا أنها ليست كافية لتحقيق الإستقرار.وبسبب ذلك سيقوم الناس بالمضاربة على الدولار وبتحويل مدخراتهم من الجنيه إلى الدولار تحسبًا لذلك. بناءًا على هذا من الأفضل أن يقوم البنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار في المرحلة الانتقالية بدون الحاجة لاستخدام إحتياطي النقد الأجنبي للدفاع عن الجنيه وإن كان التخفيض قادم لا محالة فالأفضل أن يبادر به البنك المركزي لوقف المضاربات و الحفاظ على الإحتياطي عند مستوى مرتفع. من الواضح أنه طوال عامين انتهج البنك المركزي السيناريو الأول. فقام البنك المركزى بزيادة المعروض من الدولار فى سوق العملة باستخدام إحتياطي النقد الأجنبي لإحداث توازن، حتى وصل إحتياطي النقد الاجنبى بنهاية ٢٠١٢ إلى حوالى ١٥ مليار دولار وهو مستوى حرج لأنه بالكاد يوفر احتياجات مصر من الواردات لمدة ٣ أشهر. و بعد الوصول لهذا المستوى كان لا بد على البنك المركزي بعد تغير قيادته أن يبدأ في تخفيض الجنيه في البنوك لكن سعر الصرف المتداول في السوق السوداء كان أعلى من السعر الرسمي.

لكن ماذا حدث مؤخرًا للدولار؟

في الأيام القليلة الماضية ارتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء بشكل كبير و سريع .و هناك تفسيرين لذلك:

الأول: استمرار الوضع الاقتصادي المتردي ووضوح عدم قدرة الحكومة على تفعيل برنامج إنقاذ اقتصادي فعّال. في نفس الوقت بات واضحًا أن قرض صندوق النقد أصبح بعيد المنال إلى حدٍ كبير.وكذلك الكثير من المساعدات المرتبطة به أو على أقل تقدير سيتأخر تمريرهم، و لذلك لن تستطيع الحكومة تعزيز مصادرها من الدولار في الوقت القريب.وسيضطر البنك المركزي لتخفيض الجنيه عاجلا أم أجلا و لذلك سارع الناس بتحويل مدخراتهم من الجنيه إلى الدولار في السوق السوداء دافعين سعر الصرف للارتفاع بشكل كبير.

الثاني: أن هناك مؤامرة على من يحكم مصر حيث يقوم مجموعة من رجال أعمال النظام السابق بالمضاربة بشكل واسع على سعر صرف الدولار لبث حالة من الذعر في البلد و تأجيج الأزمة الاقتصادية و هو ما أشار إليه مسئولين كبار بالدولة . في الواقع سواء كان السبب هو التفسير الأول أو الثاني أو خليط بينهما فإن حالة الذعر أصبحت واقع. وأصبح سعر صرف الدولار هو الشغل الشاغل عند الكثيرين الذين يسارعون بتحويل مدخراتهم من الجنيه إلى الدولار وسحب مدخراتهم الدولارية من البنوك مخافة أن لا يستطيعوا سحبها في المستقبل حينما يزيد تعقد الوضع. ماذا سيحدث للدولار فى الفترة المقبلة؟

لا يستطيع أحد أن يجزم بما سيحدث في سعر الصرف في الفترة القادمة لكن يمكن اعتبار سيناريوهين أساسيين:

الأول: أن ما يحدث مضاربة قصيرة المدى و ستنتهي بعد أيام و سيعود سعر الصرف إلى الاستقرار في السوق السوداء على سعره قبل هذه الأزمة المصطنعة، فيظل سعر الصرف في البنك على مستواه الحالي بينما في السوق السوداء سيعود لمستواه قبل الأزمة الأخيرة. و بناءًا على هذا السيناريو فلا داعي لإتخاذ إجراءات عاجلة.

الثاني: أن ما يحدث هو بداية لإنهيار الجنيه، وأن المضاربة لن تتوقف على المدى القصير بل ستزداد مع الوقت بسبب وجود عدم توازن بين موارد الدولة من الدولار مقابل مصارفها.ويعتبر هذا انعكاس لحالة التباطؤ الاقتصادي الذي تعاني منها مصر منذ الثورة و لذلك فإن سعر صرف الدولار سيستمر في الإزدياد خاصة في ظل عدم قدرة الحكومة على تحريك عجلة الاقتصاد و إحداث توازن حقيقي في سوق العملة.وبناءًا على هذا السيناريو فعلى البنك المركزي التدخل السريع بإجراءات حاسمة للحد من المضاربة في سوق العملة و سيقضي ذلك تخفيض سعر الصرف الرسمي للجنيه مع وضع إجراءات صارمة للحد من المضاربة في السوق السوداء و قد ينتهي ذلك بسعر صرف رسمي للدولار أعلى من السعر الرسمي الحالي بينما سعر أعلى منه في السوق السوداء. تطور الأمور في الفترة الأخيرة يجعل من الصعب التكهن بما سيحدث و إن كان من الواضح أن البنك المركزي يتبنى السيناريو الأول بينما يتبنى المضاربون السيناريو الثاني.

ما يهم الآن هو ماذا يجب فعله؟

شئنا أم أبينا فلا بد من الإعتراف بهذه الأزمة. و على الرئاسة و البنك المركزي المبادرة بحل هذه الأزمة .وفي هذا الصدد هناك أربعة محاور يجب أن تأخذ في الإعتبار: أولاً: إذا كانت هناك مؤامرة كما يدعي من يحكم مصر فعليه بكشف تفاصيلهـا و ملاحقة من يدبرون و ينفذون ذلك بالقانون. فسعر الصرف أخطر من أن يترك في مهب الريح. و في حالة عدم وجود مؤامرة فيجب التوقف عن حديث المؤامرة الذي في حالة عدم كشفهـا يفقد النظام شرعيته أوعلى وجه التحديد ما تبقى منها .

ثانيا: إذا كان هناك سيناريوهين للدولار في الفترة القادمة فعلى البنك المركزي أن يعتمد السيناريو الثاني و هو الأسوأ و يشرع في إجراءات صارمة للرقابة على سعر الصرف و الحد من المضاربة حتى و إن صرح بإعتقاده في السيناريو الأول .فهذا أكثر تحفظا و أفضل في مثل هذه القضية الحساسة.

ثالثاً: لقد آن الأوان لإجراء تغير وزاري يركز بالأساس على الحقائب الاقتصادية، حيث يجب تعيين فريق من الخبراء الاقتصاديين فى هذه الحقائب الوزارية يكون عليهم إجماع في الأوساط الاقتصادية لبث الثقة بين الناس و المؤسسات المالية في قدرة الحكومة على السيطرة على الوضع الاقتصادي. وبالتي ينعكس ذلك على مؤشرات الاقتصاد المختلفة بما فيها سعر الصرف.

رابعاً: إعادة النظر في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة منذ تعيينها والذي يعتمد بشكل كبير على تقليص عجز الموازنة و الاعتماد على قرض صندوق النقد و مايصاحبه من مساعدات. فهذه القروض و المساعدات أصبحت بعيدة المنال وأقل مما تحتاجه مصرللخروج من أزمتها. هذا بالإضافة إلى أن البرنامج الحالي يزيد من حالة الركود التضخمي الذي تعاني منه مصر. وعلى الحكومة أن تتبنى برنامج إصلاح إقتصادي يعتمد على تنشيط الاقتصاد من خلال إعادة تمويل الديون المحلية و كذلك إتخاذ إجراءات سريعة للحد من آثار التضخم.

في النهاية، سعر صرف الدولار أمر شديد الأهمية للنشاط الاقتصادي وأسعار أغلب السلع في السوق .هناك أكثر من سيناريو لما يمكن أن يحدث في الفترة القادمة و يجب على من يحكم مصر أن يتحرك سريعًا مغيرًا من برنامجه الاقتصادي و من يدير الحقائب الاقتصادية للتعامل مع الأزمة الحالية التي هي أكبر من مجرد أزمة عملة قبل خروج الأمر عن السيطرة .