تصحيح وتطويع ومرحلة انتقالية وبينهم شعب

د. ريم عبد الحليم | ١١ مارس ٢٠١٣ د. ريم عبد الحليم

يعرف الاقتصاد الانتقالي أو الاقتصاد الذي يمر بمرحلة التحول بالاقتصاد الذي اضطره الانهيار فى النظام المركزي إلى تغيير قواعد إدارته ليكون أكثر تحرراً أو الاقتصاد الذى اختار التحول عن النظام المركزي إلى السوق الحر.

أما على الجانب السياسي يتم تعريف المرحلة الانتقالية بأنها مرحلة التحول من المركزية والديكتاتورية إلى الديمقراطية بأسسها وقواعدها.

ويرتبط التحول بشكل أساسي بتغيير شكل مؤسسات الدولة وقوانين وقواعد إدارتها، فإذا جاءت بعد ثورة شعبية تأتى محملة بمشكلات التحول المفاجئ والطلبات الديمقراطية المتسارعة.

وهو الحال في الحالة المصرية فقد أتت المرحلة الانتقالية في مصر حاملةً الاضطرار لتغيير نمط العلاقات بين المؤسسات المتحكمة فئ إدارة الدولة والتي انبت لعقود على شبكات معقدة من المصالح القائمة على السلوك الريعى وتمرير المنافع المتبادلة كأساس للبقاء من ناحية وعلى توزيع القوى بصورة تضمن بقاء كل أفراد المؤسسات من خلال تكثيف الستائر المؤسسية على أخطائهم من ناحية أخرى؛ حتى أصبح الفساد المحمى والمقنن أساس التعامل مع الشعب

ليأتى التحول حاملاً معه درجات متصاعدة من الوعي الشعبي والمطالبات الشعبية كمتغيرات أساسية في تحديد اختيارات النظام الحاكم، وتحديد نمط إصلاح العلاقات الحاكمة لمؤسسات الدولة.

وكلما عجزت مؤسسات إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية عن استيعاب متطلبات هذا المتغير الجديد القديم والحاضر الغائب كلما نشبت موجات من الصراع الشعبي المؤسسي. لتجد الحكومات المتباطئة في الإصلاح نفسها محاصرة بين تصاعد المطالبات الشعبية من ناحية ورفض المؤسسات القديمة للإصلاح من ناحية أخرى وهنا تبرز احتمالية فشل الدولة فى إدارة المرحلة الانتقالية وتحمل الأوراق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعريفات عدة لفشل الدولة فئ القيام بدورها فى مراحل التحول؛ يأتي التعريف الأكثر وضوحاً مرتبط بفشل الدولة في توصيل الخدمات المنوط بها تقديمها للشعب خلال فترة التحول أو بعبارة أدق فشلها فى إبقاء استمرار الحد الأدنى من عمل النظام الاجتماعي والاقتصادي فئ الدولة بعد صدمات التحول الانتقالية مع القيام بوضع أسس الإصلاح وهى الأدوار التي ترتبط أساساً بخدمات العدالة بمفهومها الشامل اجتماعيا واقتصادياً وإنفاذ القانون كأساس للانطلاق

فإذا اختارت الحكومة الانتقالية التعامل التسييرى بنفس قواعد المؤسسات الفاسدة لتمرير متطلبات الحياة اليومية للمواطن يتحول السعي للإصلاح إلى السعي لتطويع وليس تصحيح الوضع المؤسسى وشتان بينهما.

فهنا تفقد الإدارة الحكومية الرؤية المستقبلية التي يدركها الشعب وتتبلور في ذهنه يوماً بعد يوم فيتقدم عن الحكومة وتتعالى وتتصاعد مطالباته بالتصحيح وهى المطالبات التي تصطدم بالمؤسسات الهشة التي وقفت “محلك سر” بما يزيد من القلاقل الشعبية ولا يستوعبها

فلا يمكن نجاح عبور المرحلة الانتقالية دون الاتجاه إلى استيعاب الوعي الشعبي المتنامى حول الحقوق وخاصةً الحقوق الإقتصادية ودون إصلاح يشمل بالأساس علاقة مؤسسات الدولة بالمواطن المستفيد من الخدمات الحكومية قبل اي حسابات أخرى، ويكون التصحيح الإنتقالى من خلال:

أولاً: لابد على الحكومة حين إدارة المرحلة الانتقالية أن تتوقف عن الخطاب الإعلامي اللائم للشعب الغاضب والمتهم له بعدم الدراية بالمصالح أو بالانتماء لطوائف دون غيرها، لأن هذا الخطاب يشعل الغضب ولا يهدئه ويغلق قنوات الحوار ولا يفتحها، وإذا فتحها فهو يفتحها مشوهة ومضطربة

ثانياً: أن تبدأ الدولة فى مراجعة علاقات مؤسسات تقديم الخدمة للمواطن بشكل يضمن زيادة سلطة المواطن فى الحصول على حقوقه؛ وليس سلطة المفسد فى حسيل المزيد من المنافع….. للتوضيح.. إذا كان الدفع المباشر مقابل الخدمة هو قناة المستفيد الوحيدة للتحكم فى جودة الخدمات فهو يعنى ضمناً أن الخدمات المجانية كلياً أو جزئياً لا يمكن اشتراط جودتها، وهو الخطأ الذى يستوجب تصحيحه إعادة النظر بشكل كامل فى منظومة الدوافع والولاءات التى تحكم خطوط تقديم الخدمات العامة.

3- ثالثاً: أن تعمل الدولة على ضمان عدم تراكم مشكلات جديدة مثل دخول فئات جديدة فى الفقر والبطالة وهو ما يحث يومياً فى المراحل الانتقالية بما يصعب محاولات التصحيح مستقبلاً، وذلك من خلال البدء فوراً فى صياغة شبكات للأمان الإجتماعى وفتح قنوات لاستغلال الأموال المتراكمة لصالح الشعب مثل قنوات لاستثمار أموال المعاشات.

4-رابعاً: ألا تفصل الدولة بين إدارة المرحلة الانتقالية ووضع الأهداف التصحيحة طويلة المدى مع ضمان تواصل مستمر حول مسارات الانتقال للأهداف الأساسية مع الشعب حتى لا تغيب الرؤية ويغيب معها الانتماء.

5-خامساً: أن تبدأ الدولة بشكل فورى فى تدارس الاحتياجات والخصائص المالية والإنسانية والطبيعية لكل منطقة جغرافية فى مصر لأن أهم أعراض فشل المراحل الانتقالية هو التفكك الجغرافى والانتماء الإقليمى عوضاً عن الانتماء للوطن.

فالمراحل الانتقالية ليست ابتكار، ولكن فشل الدولة فى إدارتها هو بكل تأكيد اختيار…