السياسة قبل الاقتصاد

أ. عمر الشنيطي | ٣ فبراير ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

يمر الاقتصاد المصرى بأزمة منذ ثورة 25 يناير، وتزيد آثار هذه الأزمة بمرور الوقت فى ظل عدم تطبيق برنامج إصلاح إقتصادى متكامل. وللإنصاف، فإن هذه الأزمة ليست ناتجة من تبعات الثورة فقط، بل انها تراكمات ظل يعانى منها الاقتصاد المصرى لسنوات من عدم إتزان بين الصادرات والواردات، المصروفات والايرادات، الاستثمار والاستهلاك الى غير ذلك من اختلالات أدت الى مشكلات اقتصادية هيكلية ومزمنة.

إذا نظرنا للوضع الحالى، نجد ان الاضطرابات السياسية تعتبر هى لب المشكلة، فعلى الرغم من وجود مشاكل اقتصادية هيكلية قد يعمل الاقتصاديون على حلها، الا ان جوهر المشكلة الآن يكمن فى الصراع السياسى وعدم الاستقرار الذى يعتبر العائق الرئيسى امام اى محاولات للإصلاح. السبب الرئيسى وراء ذلك يكمن فى ان الاصلاح الاقتصادى الذى تحتاجه مصر هو عملية طويلة ومعقدة وذات تكلفة مادية واجتماعية باهظة، وقد تؤدى الى إشعال شرارة لثورة جديدة كما حدث فى عام 1977 حينما قرر الررئيس السادات رفع الدعم فثارت جموع الشعب ضده.

لذلك تعتبر البرامج الاصلاحية شديدة الخطورة وقد تتباطأ الكثير من الحكومات فى تنفيذها بل وسيسعى الحكام الى تجنبها بأى ثمن. وفى أحوال كثيرة يضطرون الى القيام بعكس ما تقتضيه هذه الإصلاحات مثلما حدث فى مصر مؤخراً، فعلى الرغم من احتياج مصر لسد عجز الموازنة وضغط النفقات الا ان الاشهر القليلة الماضية شهدت رفع للمرتبات الحكومية فى كثير من الدوائر وزياده المعاشات إما كاستجابة للمطالب الفئوية أو كمحاولة لاكتساب رضا الناس. ولذلك فإن الوضع السياسى المضطرب فى مصر يقلل من قدرة الحكومة على القيام ببرنامج إصلاح اقتصادى حقيقى وشامل يعيد التوازن بين أركان الاقتصاد المختلفة وهو ما يحتاجه الاقتصاد ولا يختلف عليه الاقتصاديون حتى وإن اختلفت توجهاتهم.

لهذا يجب على الاطراف السياسية والشعبية ان يدركوا ان استمرار هذا الصراع السياسى له ثمن باهظ على الاقتصاد. فاستمرار دائرة الاضطرابات، التى ما نكاد ان نخرج منها حتى ندخلها مجددا،ً سيؤدى الى عدم قدرة الحكومة على تخفيض نفقاتها وإعادة هيكلة الدعم بالشكل اللائق، الامر الذى سيؤدى الى زياده عجز الموازنة والذى سيتخطى 200 مليار جنية هذا العام وقد يتخطى 250 مليار جنية فى العام المالى القادم. وهذا التدهور سيؤثر حتماً على التصنيف الائتمانى لمصر والذى شهد تخفيض مستمر من وقت لآخر خلال العامين الماضيين ويؤثر ذلك بشده على ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة ويضغط على عجز الموازنة.

من جهه أخرى، هذا التدهور سيؤدى الى زيادة الفجوة بين الواردات والصادرات، مؤثراً بشكل كبير على سعر الصرف الذى شهد انخفاضاً كبيراً فى الاسابيع الماضية وقد يؤدى عدم الاستقرار الى انخفاض اكبر لسعر الصرف. مع تدهور سعر الصرف ستشهد مصر حالة من ارتفاع شديد للاسعار فى السنوات القادمة. فى ظل هذه التغيرات وعدم قدرة الحكومة على إعادة هيكلة الاقتصاد بالشكل المطلوب لن يكون امام الحكومة الا الاقتراض ثم الاقتراض، سواء من الداخل او من الخارج او من مؤسسات مالية عالمية، وهذا هو الغالب على سياسة الحكومة بطبيعة الحال الآن. وقد يكلف التمادى فى الاقتراض على المدى المتوسط والبعيد الكثير كما كلفها فى عصورها المختلفة.

ولذلك أرى ان هناك رسالتين يجب إيصالهما:

الأولى: لمن يحكم البلاد من رئاسة أو وزارة “السياسة قبل الاقتصاد، لأنه لن يحدث إصلاح اقتصادى بدون استقرار سياسى حقيقى، والتمادى فى الاقتراض لتسيير المركب سيغرق الجميع فى النهاية”

الثانية: للتيارات السياسية المتنازعة “اعلموا ان الصراع السياسى الدائر الآن يدمر الاقتصاد وقد لا يجد الفائز بهذا الصراع الا دولة هشة غير قادرة على توفير احتياجاتها الاساسية، هذا ان كان هناك فائزاً فى نهاية المطاف”!