التنمية من أجل المواطن: وأدينا صابرين يا باشا

د. ريم عبد الحليم | ١٥ مايو ٢٠١٣ د. ريم عبد الحليم

من وعى التاريخ في صدره، أضاف أعماراً إلى عمره… ومن وعى التجربة تجنب تكرار الخطأ… ومن وعى مفهوم الوطن عمل على تنمية الإنسان، ومن وعى مفهوم الإنسان لم يترك على الأرض فقيراً دون العمل على إخراجه من دوائر الحرمان، حاملاً في مراحل بناء استراتيجيته للتنمية ما ملأ جعبته به من الدراسات والتأريخات والتعريفات والأهم المعلومات عن طبيعة الإنسان الذى يعمل على تنميته…

فلو انفصل عنه في مرحلة البناء والإعداد، فصل الوطن من قلب المواطن فأصبح الوطن بلى هوية مهما جمع من أموال وأصبح المواطن بلا أرض تحمله ويحملها…

من الممكن تصنيف الأدبيات التي تناولت مسببات الوقوع في الفقر إلى ثلاث مجموعات من الكتابات، عمدت المجموعة الأولى إلى تفسير الفقر بمحددات فردية بعيدة عن علاقة الفرد بالمجتمع، بينما عمدت المجموعة الثانية من الدراسات إلى تفسير حلقة الفقر بالمحددات المتعلقة بعلاقة الفرد بالمجتمع، واتجهت المجموعة الثالثة لتفسير الفقر من خلال نمط عمل المؤسسات والحوكمة.

التفسيرات التي أرجعت الفقر لعوامل خاصة بالتصرفات الفردية: 

وهى التفسيرات المبنية على المدرسة النيوكلاسيكية والتي تنظر لوقوع الفرد في الفقر على أنه ناتج عن سلوك ذاتي، فالفقيثر ذاحب قرار استثماري خاطئ بالضرورة، وأهم كتابات هذه المجموعة دراسة بيكر ومينسر لتراكم رأس المال البشري وتحسين العائد على عنصر العمل، وتستخرج نظرية تراكم رأس المال البشرى مسببات الفقر من العلاقة بين قرارات الأفراد حول الاستثمار في تراكم رأس المال البشري المتمثل في التعليم والتدريب من ناحية، وهيكل العائد على عنصر العمل من ناحية أخرى، فكلما زاد الإنفاق الفردي على تحسين مؤهلات ومهارات عنصر العمل زاد العائد عليه والقدرة على الادخار في مرحلة العمل تم تجنب في المستقبل. ومن ثم تبنى هذه المدرسة استراتيجيات مكافحة الفقر على إعادة توجيه السلوك الاستثماري للفرد نحو الأصول الأطول أجلاً وأعلى عائداً. فتقوم على منح إعانات البطالة وبرامج المساندة لمدد محدودة، كذلك على قصر برامج الإعانات على المعاقين والأفراد خارج قوة العمل مع الاستعاضة عن التحويلات النقدية كأداة لمكافحة الفقر إلى معطيات مادية مثل فرص العمل والمساكن محدودة التكلفة.

الدراسة الثانية الأهم التي تربط بين فقر الإنسان والعوامل الذاتية هي دراسة أوسكار لويس لحلقة الفقر المرتبطة بعوامل ثقافية‘ ويرجع الفضل لهذه الدراسة في ترسيخ مفهوم حلقة الفقر أو الفقر المنتقل عبر الأجيال التي شكلت أدبيات تناول الفقر في العقد الأخير من القرن الماضي. ومؤسسها هو Oscar Lewis في عام 1959 –أعيد كتابتها في عام 1996- حيث يؤكد من خلال نتائج مسوح الدخل والفقر في مجموعة من الدول أن الفقر ينتج عن موروثات ثقافية خاصة بالفقراء the poor’s unique value system. تؤدى هذه الموروثات الثقافية والتكوينية إلى الارتباط بأنشطة معينة محدودة الإنتاجية واستثمارات محدودة العائد والمخاطرة، بالإضافة إلى وجود موروثات تؤدى إلى حرمان بعض الفئات الاجتماعية -مثل المرأة- من الاستفادة من فرص تحسين جودة الحياة، وتؤدى هذه الموروثات سلوكياً إلى تجنب المشاركة والتعبير عن الاحتياجات. ينتج عن هذه الثقافة تعميق وتهميش للفئات الفقيرة، ومن ثم إهمال الحكومة لحقوقها عند تخصيص الموارد للأولويات الخاصة بالإنفاق العام.

وتبنى استراتيجيات التنمية المجتمعية ومكافحة الفقر وفق هذه الكتابات على إدخال عوامل خارجية لثقافة المجتمعات والفئات الفقيرة مثل تشجيع الهجرة للعمل خارج المجتمع.

إلا أنه في عام 1984 تناولت دراسة Duncan مدى صحة تحقق نظرية Oscar Lewis في تفسير الوقوع في الفقر، معتمدةً على بيانات مسح ميداني يتناول دخل الأسرة وخصائص رب الأسرة وأفرادها في عدد من الولايات الأمريكية. واستنتجت وجود تماثل في معدلات الالتحاق بالتعليم عبر الفئات المختلفة بسبب تقديم التعليم المجاني في الولايات المبحوثة، وهو ما ينفى حتمية تأثير المحددات الثقافية على الفقراء والأكثر فقراً، ومن ثم سهولة علاج الفقر بتوفير البرامج الاقتصادية المكملة لوجود الخدمات الأساسية في محل الإقامة. فقد أغفلت نظرية المحددات الثقافية دور الدولة في توفير برامج مكافحة الفقر والخدمات الأساسية بصورة عادلة عبر المجتمعات المحلية المختلفة.

لتبدأ مرحلة جديدة من الكتابات التي ربطت بين البرامج المقدمة على المستوى الفردي وعلى مستوى الأسرة كأهم محاور استراتيجيات مكافحة الفقر وبشكل خاص البرامج الارتقائية.

ثانياً التفسيرات التي أرجعت الفقر لمتغيرات ترتبط بعلاقة الفرد بالمجتمع: 

ينتج الفقر وفق هذه المجموعة من الكتابات عن “الموقع” الخاص بالمدينة أو القرية، حيث تجذب بعض المواقع الجغرافية الأعمال والاستثمارات، في الوقت الذى يجذب بعضها الآخر الفئات الأكثر فقراً بسبب سوء الموقع ومشكلاته الجغرافية والتي تنعكس في تدنى أسعار الأصول والعقارات به.

فتتركز الاستثمارات في مناطق محددة، في الوقت الذى يؤدى فيه ضعف الروابط الجغرافية بين المراكز التنموية والمناطق الأدنى حالاً، مصحوباً بصعوبة انتقال عنصر العمل لهذه المناطق مرتفعة الإنتاجية دون هجر مجتمعه المحلى بالكامل لصعوبة المواصلات إلى مزيد من الفقر والتركز، ويستمر انجذاب الاستثمارات الجديدة للاستفادة من الوفورات الاقتصادية في المناطق الجاذبة، بما يعمق حالة الحرمان للمناطق المحرومة، في الوقت الذى تجذب فيه أسعار الأصول العقارية المتدنية الأكثر فقراً للتركز في المناطق المحرومة ذاتها بما يحد من فرصتها في الاستجابة لبرامج مكافحة الفقر التقليدية. تنبني استراتيجيات مكافحة الفقر وفق هذه النظريات على تأسيس التنمية المجتمعية على الاستفادة من الأصول المحلية على تحقيق العدالة في توزيع الخدمات، وتيسير تنقل عنصر العمل بما يسمح للمجتمعات الأفقر بالاستفادة من النمو العادل.

ثالثاً: التفسيرات التي أرجعت الفقر لمتغيرات ترتبط بالاقتصاد السياسي: 

ويدخل في إطار هذه المجموعة من الأدبيات الكتابات التي تتناول الجانب الاقتصادي للفساد ودوره في إحداث الفقر وتشمل الكتابات التي تناولت العلاقة بين الفساد وعدم العدالة في توزيع الدخل، فقد وجدت دراسة Gupta وآخرين في عام 1998 والتي تناولت علاقة الفساد في الجهاز الإداري بمجموعة مكونة من 128 دولة نامية بعدم العدالة، إلى أن زيادة الفساد في الجهاز الإداري للدولة يزيد من عدم العدالة وذلك بمعامل ارتباط موجب بلغ 0.72، مع صحة هذه العلاقة في أي مرحلة من مراحل النمو تكون الدولة بها.

والكتابات التي تتناول تأثير انعدام الحوكمة على الفقر فتشير دراسة Gupta وآخرين في عام 2000 -والتي استخدمت نموذج انحدار لتحليل تأثير وجود قنوات للحوكمة على جودة خدمات التعليم والصحة التي تصل للفقراء في 230 دولة- إلى وجود علاقة معنوية طردية بين توافر شورط الحوكمة وجودة الخدمات التي تصل للفئات الأكثر فقراً ومن ثم فعالية هذه الخدمات في مكافحة الفقر.

لقد عانى الإنسان المصري وخاصةً الفقير طويلاً من تركز النمو قطاعياً وجغرافياً، وطرد هياكل الانتاج لمهارته البسيطة، وعدم قدرته على النفاذ لمصادر التمويل، وعدم سعى الدولة لتضمينه في أحضان الوطن بشكل مستدام وبإصرار مطلوب من خلال برامج مكثفة لإعادة دمج المواطن في الوطن..

نظرة ضيقة في التنمية تحمل تبعاتها طويلاً، أرجو ألا يحملنا الحلم على تنمية أقاليم بعينها –مع تحفظي الشديد على كلمة أقاليم وعدم اطلاعي بصورة تفصيلية بعد على مشروع القانون لأنقده بحرفية ومهنية وعدالة- على إهمال بعد التنمية المحلية التي تصل لكل مواطن دون أن يكون مطالب بالهجرة بعيداً عن جذوره للنفاذ إليها أو يطالب بالاستقلال عنها وخلق مجتمع محلى فقير يصبح جزء منه ينظر للمشاريع العملاقة بتأمل وأمل وحزن على حاله…

أرجو أن تراعى الدولة مكافحة الفقر في كل قرية في مصر بعيداً عن آمال تساقط ثمار النمو وآليات استوردتها مصر وأثبتت فشلها مثل الاستهداف الجغرافي …

أرجو أن تحمل الحكومة التنمية للمواطن البسيط الذى لم يظهر في برامج التوك شو ورضى بدور المبتسم ضائعاً بين الملايين وربما لو قابله الرئيس وسأله عن طموحه سوف يكون رده ” أدينا صابرين يا باشا”، إلى متى وعلام لم أتوصل أبداً لإجابة منطقية التي دوماً حملتها لي ابتسامات الفقير…