الاقتصاد المصري على مفترق طرق

أ. عمر الشنيطي | ١٧ مارس ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

مع التغيرات السياسية التي حدثت في مصر في الأعوام الأخيرة، مر الاقتصاد بمراحل متعددة من أواخر أيام مبارك حتى وصلنا إلى حكم الإخوان و لكن الاقتصاد لم يصل بعد لمرحلة الإستقرار و وضوح الرؤية و يقف الآن على مفترق طرق. إذا نظرنا سنجد مراحل متعددة لها سمات واضحة.

نمو بلا عدالة: في الأعوام الأخيرة من حكم مبارك كان الاقتصاد يحقق معدلات نمو مرتفعة و كان ذلك محل فخر مبارك و وزرائه الذين كانوا يتحدثون عن الآثار الايجابية لهذا النمو على طبقات الشعب المختلفة. لكن الواقع أن هذا النمو لم يستفد منه الكثير من الشعب و إقتصرت الإستفاده على طبقات قليلة من الشعب مما أحدث خلل كبير في توزيع الدخل. و قد أدى ذلك إلى حالة واضحة من غياب العدالة في التوزيع و التي تزامنت مع حالة عامة من غياب العدالة في مختلف مناحي الحياة.

تصفير المخزون: ثم قامت الثورة و تولي المجلس العسكري إدارة شئون البلاد. و قد تميزت فترة المجلس العسكري بالتحفظ الشديد في اتخاذ القرارات الضرورية للتواكب مع الفترة الحرجة التي جاءت بعد الثورة خوفا من رد الفعل الثوري لقرارات الإصلاح الاقتصادي. و قد أدى هذا التحفظ الشديد إلى الضغط على مؤشرات الاقتصاد المختلفة و كان من مظاهر ذلك الإنخفاض الشديد في إحتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي من ٣٥ مليار دولار مع بداية الثورة إلى حوالي ١٥ مليار دولار مع تسليم السلطة لمرسي. تزامن ذلك مع إنخفاض شديد في الإستثمار الأجنبي و زيادة فادحة في عجز الموازنة.

مليارات النهضة: مع صعودهم و تصدرهم للمشهد، عمل الإخوان على إطلاق الوعود عن النهضة الاقتصادية المرتقبة و ترددت في هذه الأثناء أخبار و وعود عن إستثمارات بالميارات سواء من الصكوك أو الإستثمار الأجنبي أو غيرها سواء قبل تولي مرسي أو بعد توليه. هذه الوعود الخياليه كانت بمثابة مخدر للكثيرين من مؤيدي مرسي و الذين تصوروا أن هذه الميارات هي طوق النجاه للإقتصاد المصري المنهك.

اكتشاف الواقع: بعد وصولهم إلى الحكم بعدة أشهر، فوجئ الإخوان بسوء الوضع الاقتصادي و ضعف قدرتهم على تغير هذا الواقع القاسي. بالإضافة إلى ذلك أصبح واضحا أن الوضع الاقتصادي سيزداد سوءا لفترة ليست بالقصيرة نتيجة عدم الإستقرار السياسي. كما أصبح جليا أن خطوات الإصلاح الاقتصادي المطلوبة سيتطلب تطبيقها الكثير من التكلفة السياسية و الإجتماعية و هو ما لا يستطيعون تحمله سياسيا في مثل هذا الوقت.

نظرية المؤامرة: بالوصول لهذه الحقيقة، أضطر الإخوان للتحول من سياسية “الوعود الخياليه” إلى سياسية “التبرير” لهذا الواقع القاسي و تحميل هذا الوضع لآخرين سواءا من النظام القديم أو من مؤيديهم أو من دول عربية أو أجنبية. في النهاية يتم تبرير هذا الواقع باستخدام “نظرية المؤامرة” على المشروع الإسلامي حتى و إن كان الإخوان على اتصال دائم ببعض ممن يشيرون إليهم على أنهم متآمرين و هو ما يقلل من تصديق الكثيرين لهذه المؤامرة حتى و إن كانت بعض أركان هذه المؤامرة تبدو منطقية.

ما سبق ممكن أن يعتبر تلخيصا لتطور الاقتصاد في الفترة الماضية.

لكن ما يهم الآن هو: ماذا سيحدث في الفترة القادمة؟

لا يستطيع عاقل أن يجزم بأمر معين في مثل هذا الوضع من عدم الإستقرار السياسي لكن يمكن رسم تصور للمستقبل بناء على سيناريوهات أساسية:

الأول: الإعتماد على أصدقاء المشروع:

الإعتقاد هنا أن مصر دولة كبيرة و ذات دور محوري في المنطقة و لذلك فهي أكبر من أن تسقط إذ لا يستطيع أحد أن يتحمل عواقب سقوطها و هو ما يعرف بمبدأ: “Too Big To Fail”. بالإضافه لذلك فإن هناك العديد من الأصدقاء للمشروع الإسلامي و يأتي على رأس هؤلاء الأصدقاء: قطر و تركيا هذا بالإضافه إلى أمريكا التي أبدت ترحيبها بوصول الإخوان الى الحكم طالما إلتزموا بمحددات اللعبة و على رأسها أمن إسرائيل و سلامة الملاحة في قناة السويس و غيرها. وهو ما لم يعارضه الإخوان و لم يكن لآخرين أن يعارضوه لو وضعوا مكان الإخوان.

هذا السيناريو هو المعتبر لدى الإخوان في إدارتهم للبلد و لذلك فتركيزهم ينصب على قرض صندوق النقد و المساعدات الاوربية و الاستثمارات الأجنبية من قطر و تركيا و أمريكا. و رغم وجود مؤشرات على الدعم الكبير من أصدقاء المشروع في بداية حكم الإخوان إلا أن هناك قرائن واضحة على ضعف هذا الدعم سواء من قطر أو من صندوق النقد بسبب الإضطرابات السياسية و هذا الضعف يضع الإخوان في مأزق.

الثاني: التقوقع و التقشف:

الإعتقاد هنا أن أزمة مصر كبيرة جدا و أكبر من أن يستطيع أصدقاء المشروع تحملها. هذا بالإضافه إلى أن الإضطرابات السياسية ستثني الكثير من هؤلاء الأصدقاء عن مد يد العون و هو ما بدأ يظهر من قطر و صندوق النقد. لذلك فليس أمام مصر غير التقوقع على نفسها و البدء بمبادرة تقشف متكاملة للسيطره على الوضع قبل فوات الأوان و هو سيناريو أقرب لما يحدث في اليونان. و على الرغم من أن التقوقع و التقشف سيكون له آثار إيجابية و مستدامة على المدى البعيد إلا أن التكلفة السياسية و الإجتماعيه ستكون باهظة و ستضطر مصر للدخول في حالة كساد لفترة طويلة. قد يظهر أن هذا السيناريو بعيد عن الواقع لكن إذا إستمرت الإضطرابات السياسية و قلة الدعم من أصدقاء المشروع فإن هذا السيناريو سيكون واقعا نعيشه.

الثالث: الخروج عن السيطرة:

الإعتقاد هنا أن إستمرار الإضطرابات السياسية و حدة الأزمة الاقتصادية ستخرج البلد عن السيطره و سيخرج الناس في الشوارع مطالبين بتحسين أوضاعهم. البعض يتصور مشهد قريب لما يحدث في اليونان حيث خرج الناس للإعتراض على سياسة التقشف. لكن البعض الآخر يصورها على أنها ستكون ثورة جياع.

بناء على السيناريوهات الثلاثة، فإن الاقتصاد المصري الآن على مفترق طرق حقيقي. و في الغالب سيلجأ من يحكم مصر إلى تجربة الطرق الثلاثة بالترتيب حيث سيبدأ بالإعتماد على أصدقاء المشروع لعلهم يعينوه. حتى إذا لم يفعلوا، لجأ إلى التقوقع و التقشف و الذي على الأرجح سيؤدي إلى خروج الأمور عن السيطرة. الأمل هنا في نجاح السيناريو الأول أو على الأقل السيناريو الثاني و أن لا نضطر للوصول للسيناريو الثالث المظلم.