اقتناص الفرصة في وقت الأزمة

أ. عمر الشنيطي | ٣ مارس ٢٠١٣ أ. عمر الشنيطي

تتوارد الأخبار من وقت لآخر عن نية شركات عالمية وإقليمية لتوسيع نشاطها فى مصر خلال الفترة المقبلة. فى نفس الوقت يتحدث الاقتصاديون عن أزمة اقتصادية طاحنة لا يقتصر الحديث عنها على الاقتصاديين فقط، بل أيضاً بين عامة الشعب الذين يشعرون بحالة من غلاء الأسعار وصعوبة إيجاد فرص عمل.

لكن إذا كان الوضع الاقتصادى بهذا السوء، فلماذا تنوى هذه الشركات الاستثمار فى مصر؟ هل يرون ما لا نراه، أم أنها مجرد شائعات لا تحمل وراءها أى نيّة حقيقية للاستثمار؟

بدايةً، علينا أن نعترف بأن الوضع الاقتصادى سيئ بالفعل، ومع ذلك لا تزال هناك شركات عالمية ترغب فى الاستثمار فى مصر، وهذه ليست شائعات بل واقع. ولعل السبب فى التضارب بين الأمرين هو الاختلاف فى مستوى التحليل للوضع الاقتصادى؛ فعلى المستوى الكلى، فإن الاقتصاد يمر بحالة من التباطؤ فى النمو منذ الثورة أدت إلى زيادة نسبة البطالة، هذا إلى جانب حالة ارتفاع معدل التضخم بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وزيادة تكاليف الإنتاج. وهذه الحالة تعرف «بالركود التضخمى» الذى يصيب الاقتصاد بحالة من التراجع الشديد. ولعل سبب هذه الأزمة هو حالة الاضطراب السياسى الذى تسبب فى إضفاء جو عام من السلبية. لكن على الرغم من سواد الصورة الكلية، فإن هذا لا يعنى أنه لا توجد فرص للاستثمار، فسوء الوضع بشكل عام يعنى أن الغالبية تأثرت سلباً، ولكن بطبيعة الحال يبقى هناك من تأثر إيجاباً، ومن استطاع أن يرى الفرص فى ظل هذا الوضع وينقض عليها.

عادة ما تتيح الأزمات الاقتصادية فرصاً استثمارية لا يراها إلا من استطاع أن يرتقى بنظره إلى ما بعد الأحداث الجارية وينظر إلى المستقبل. وفى دولة كمصر فإن الوضع الحالى يفتح فرصاً كبيرة للاستثمار فى مجالات البنية التحتية والطاقة وتقديم الخدمات العامة بالشراكة مع الحكومة. كما أن انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار تفتح فرصاً كبيرة للاستثمار فى الصناعات التصديرية التى تعتمد على تسويق منتجاتها المصنعة فى مصر فى الأسواق العالمية. بالإضافة إلى ذلك، تبقى مصر من أفضل الأسواق للاستثمار فى مجالات الغذاء والصحة والتعليم باعتبارها خدمات رئيسية.

إذا نظرنا لاقتصاد مصر ووضعها الحالى، سنجد أن هناك مقومات كثيرة تجعل هناك فرصاً للاستثمار فى القطاعات التى سبق ذكرها:

أولاً: مصر دولة يفوق عدد سكانها ٨٠ مليون نسمة، وهذا يجعلها من أكبر الأسواق الاستهلاكية فى المنطقة، فحتى مع سوء الوضع الاقتصادى يظل هناك طلب على السلع الغذائية، والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.

ثانياً: وضع البنية التحتية والكثير من الخدمات العامة فى مصر فى حالة سيئة، ويحتاج لضخ استثمارات كبيرة، ما يفتح الباب للاستثمار فى مشروعات قومية طويلة المدى وقليلة المخاطرة.

ثالثاً: عجز الميزانية الحكومية المتفاقم سيجبر الدولة للجوء إلى التعاون بشكل كبير مع القطاع الخاص فى مجالات توليد وتوزيع الطاقة، البنية التحتية، المواصلات، الخدمات العامة وغيرها.

رابعاً: انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار يزيد من تنافسية المنتجات المصرية المصدرة للأسواق العالمية، ما يفتح الباب لكثير من الشركات والمصانع العالمية لتوسيع نشاطها الصناعى فى مصر، إلى جانب توافر العمالة بكثافة وبتكلفة منخفضة نسبياً.

خامساً: مصر دولة محورية من حيث وضعها السياسى فى المنطقة، ولا يستطيع أحد فى الوقت الراهن تحمل نتائج سقوطها. والشركات العالمية والإقليمية تدرك ذلك جيداً. وإذا كان هذا هو الحال فإن الاقتصاد سيتحسن عاجلاً أم آجلاً، ولذلك فمن الأفضل أن يبادروا بالاستثمار الآن للاستفادة من تدنى الأسعار.

هذه الأسباب وغيرها تجذب الشركات العالمية والإقليمية للاستثمار فى مصر، وإن كانوا متباطئين فى تنفيذ هذه الخطط حتى استقرار الأوضاع. الخلاصة أنه حتى فى أحلك الأزمات هناك من يستطيع أن يرى فرصاً استثمارية ويقتنصها.