اطمئنوا .. لم تفلس مصر بعد !!!

أ. عمر الشنيطي | ٣٠ ديسمبر ٢٠١٢ أ. عمر الشنيطي

امتلأت الصحف والبرامج التليفزيونية مؤخراً بالحديث عن إفلاس مصر وعن خزينة الدولة التى اصبحت خاوية على عروشها. وعلى الرغم أنى ممن توقعوا حدوث أزمة فى الوقت الذى كان يتحدث فيه آخرون عن النهضة المرتقبة، الا انى لا أرى ضرورة لتضخيم الوضع الحالى لكى نستطيع التعامل معه بشكل منطقى، لذلك أريد ان أجيب عن بعض الأسئلة فى هذا الإطار:

هل أفلست مصر؟!

الأجابة بالطبع “لا” لم تفلس مصر. الإفلاس هو عدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها،كالديون والمرتبات وغيرها. الواقع أن الدولة قادرة على الوفاء بالديون وهذا لسبب بسيط وهو ان 85% من الدين هو دين داخلى للبنوك والمؤسسات المحلية وتستطيع الدولة إعادة تمويلة بطرح سندات مرة أخرى لهذه المؤسسات والبنوك المحلية. كما أن الدولة قادرة على دفع المرتبات وغيرها وكسد عجز الموازنة بإصدار سندات حكومية يتم تسويقها محلياً للمؤسسات المالية التى مازالت لديها القدرة لتمويل هذا العجز، وان كانت مثقلة بهذه الأعباء التمويلية لتدعيم موقف الحكومة. لكن عدم وجود إفلاس لا يعنى ان الوضع جيد!!

ما هى حقيقة الوضع؟!

هناك أزمة اقتصادية حقيقية يمكن وصفها بالركود التضخمى، وهى مجموع ظاهرتين سيئتين هما:
الظاهرة الأولى(الركود): وهذا يعنى حالة من انخفاض الانتاج والنمو بشكل عام مصحوباً بانخفاض فى نسب التوظيف. ونحن نعانى من ذلك منذ الثورة نتيجة الاضطرابات السياسية وخوف المستثمرين المصريين والأجانب، وحالات الشغب والاعتصامات التى لا تنتهى.

الظاهرة الثانية(التضخم): وهو زيادة أسعار السلع والخدمات بسبب زيادة تكاليف الانتاج بشكل عام وزيادة الضرائب والدمغات ورفع الدعم عن مختلف السلع خاصة المواد البترولية للمصانع، وكذلك تدهور أسعار الصرف مما يؤدى الى ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

عادة ما تعانى الدول من واحدة من هاتين الظاهرتين، ولكن حينما يجتمعان يتأزم الوضع فنواجه ركود تضخمى يعانى فيه الناس من حالة ركود عامة وعدم قدرة على إيجاد فرص عمل مع ازدياد دائم فى الأسعار. بدون تدخل سريع وقاطع، ممكن ان يسوء الوضع بشكل كبير حتى يخرج عن السيطرة ويتحول الى “ثورة جياع”، حيث تستمر الاسعار فى الإزدياد وتتناقص السلع فى الاسواق، فيخرج الناس غاضبين ومطالبين بحقهم فى لقمة العيش.

ماذا يجب فعله؟!

على الحكومة ان تقوم بعمل برنامج “إنقاذ اقتصادى” لمساعدة البلاد على الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، واقترح ان يتكون هذا البرنامج من ستة محاور.

أولاً: تشكيل لجنة اقتصادية مستقلة من خبراء فى مجال الاقتصاد ممن يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة دون ارتباطات حزبية أو سياسية. تقوم هذة اللجنة بإعداد تقرير مفصل عن حقيقة الوضع وتقوم بعرضه بمنتهى الشفافية على الشعب.

ثانياً: تعيين فريق من الأكفاء والخبراء الاقتصاديين فى الحقائب الوزارية يكونوا مستقلين حيث ان قرارات الانقاذ الاقتصادى صعبة وغير شعبية ولا يستطيع حزب أو جماعة تحمل عواقبها فى القت الراهن.

ثالثاً: السعى الجاد للوصول لحالة من الاستقرار السياسى مما يطلب تأجيل الانتخابات البرلمانية بعض الشئ والدعوة لحوار جادللمصالحة الوطنية يضم جميع التيارات السياسية لإنهاء حالة الاستقطاب السياسى والدينى العنيفة التى سادت المجتمع فى الفترة الماضية.

رابعاً: يجب ان تتصرف المؤسسات الحاكمة للدولة كفريق وهذه المؤسسات هى “رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان” فالجماعة هى من أسست الحزب الذى رشح ودعم الرئيس الذى عين هذه الوزارة. فيجب التنسيق بين الأربع جهات والتواصل مع الإعلام بشكل جيد.

خامساً: اتخاذ إجراءات لانتعاش السوق وعلى رأس ذلك يأتى إعادة تمويل الديون المحلية من مصادر خارجية. حيث أن إجمالى الدين حوالى 200 مليار دولار، منه 170 مليار دولار ممول محلياً، هذا يعنى ان هذا المبلغ قامت البنوك المحلية بجمعه من الأفراد والمؤسسات فى صورة ودائع وإقراضه للحكومة. الخطورة لا تكمن فى حجم أجمالى الديون، ولكن تكمن فى نسبة الدين الداخلى المرتفعة التى تعنى عدم قيام البنوك بتمويل الشركات والافراد بالشكل الكافى. لذلك يجب ان تسعى الحكومة بالتعاون مع الرئاسة فى طرح سندات حكومية دولاريةفى الخارج تشتريها الدول الحليفة للنظام فى الخليج والغرب. هذا من شأنة إعادة ضخ مليارات من الدولارات فى القطاع المصرفى مع الضغط على البنوك للتوسع فى نشاط الإقراض لإحداث رواج اقتصادى يقلل من أثر الركود.

سادساً: فى ظل هذا الوضع، يجب تأجيل العمل بقانون الضرائب الجديد لبعض الوقت، الى جانب ضرورة خفض سعر الصرف ثم تثبيته حتى تتوقف حالة القلق وظاهرة الدولرة. كما يجب على الحكومة السعى فى اطلاق مشروعات قومية عملاقة بشراكة الدول والشركات الكبرى لضخ استثمارات وتوفير فرص عمل.

فى النهاية، أحب ان أشير الى ان الوضع الذى وصلنا اليه هو وضع حرج ولكنه ليس إفلاساً ونحن لسنا أول دولة تصل الى هذه النقطة. لكن ان لم تتخذ الحكومة خطوات فعلية لحل الأزمة خلال الأسابيع والأشهر القليلة القادمة قد تكون البلد بالفعل على مشارف الإفلاس.