فى رحاب الدولة

بيت الحكمة | 15 أبريل 2013

22/6/1961 كانت قاعة مجلس الأمة شبه خالية إذ اعتذر 89 عضوا عن الحضور، وأجيز 42 غيرهم وغاب معهم 48 آخرون بلا عذر ولا أجازة، وكان التوتر يسود القاعة والأنظار تتجه صوب المنصة التى جلس عليها بعض العسكريين من قيادات الثورة، ومعهم أنور السادات رئيس المجلس يهدد النواب الحضور من مغبة مقاومة مشروع القانون المطروح للمناقشة العاجلة، قائلا: كانت فى 23 يوليو 1952 ثورة الذين حاولوا الوقوف أمامها ديسوا بالأقدام، واليوم ثورة جديدة وسيصاب الذين يقفون أمامها بنفس المصير.

فى تلك الأجواء ــ كما يروى الأستاذ فتحى رضوان ــ مر القانون 103 لسنة 1961 الخاص بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها، بعد أن أذعن النواب «لا عن رضاء ولكن عن خوف شديد»، فأمم القانون الأزهر، وأنهى استقلاله الذى نافح عنه فى مواجهة تدخلات مكررة من الدولة واستحال الجامع والمدرسة جامعة حكومية واستحال شيخ الأزهر موظفا عاما بالدولة ولم يعد الأزهر المؤسسة العلمية الشرعية التى كانت منذ عهد الدولة الأيوبية.

كان هذا التأميم ثمرة لمسارات ثلاثة متداخلة مرت بها المؤسسات التقليدية للمجتمع بشكل متزايد منذ منتصف القرن التاسع عشر هى التحديث والتمصير والدولنة، كانت محصلتها نزع قدرة المجتمع على التنظيم الذاتى لشئونه وإخضاع جميع مؤسساته لسلطان الدولة المتنامى وإعادة تنظيمه وتعريفه وفق إرادتها الفوقية وكان تمرير القانون انتصارا لتلك المسارات بعد مقاومة عنيدة امتدت قرنا إذ اضطر الوضع الجديد الأزهر لتنسيق حركته مع رغبة الحكام وزادت نسبة «السياسى» فى مواقفه على حساب «الشرعي» الذى حمل لواءه.

كان النتيجة الحتمية لذلك أن صارت المواقف «الشرعية» للأزهر محكومة بالمواقف السياسية للدولة الأمر الذى تجلى ــ على سبيل المثال ــ فى موقف الأزهر إزاء القضية الفلسطينية، ففى سنة 1973 أكد شيخ الأزهر محمد الفحام (1969 ــ 1973) «حتمية الجهاد ضد إسرائيل لإنقاذ الأراضى الإسلامية من سيطرة الأعداء عليها»، ثم أعلن خلفه الشيخ عبدالحليم محمود (1973 ــ 1978) تأييده لزيارة الرئيس السادات إلى القدس قبل أن يفسر الأزهر تغيير موقفه بالقول إن معارضته للسلام مع إسرائيل (وقت عبدالناصر) كانت بسبب الاقتناع بإمكانية إلحاق الهزيمة بها، وتجلى كذلك فى تصريحات ومواقف مكررة للشيخ سيد طنطاوى (1996 ــ 2010) منها تصريحه بأنه كشيخ الأزهر موظف عام يتبع سياسة الدولة ولا يملك الخروج عنها.

لم تكن مشكلة علاقة الدولة بالأزهر متعلقة بفساد القائمين على الحكم فحسب، وإنما فى طبيعة العلاقة بين مؤسسات المجتمع ومؤسسة الدولة مع نمو الثانية وحيازتها السيادة واعتبار القوانين الصادرة عنها المصدر الأوحد للشرعية، وبالتالى فإن المشكلة لم تنحل تلقائيا برحيل القائمين على الحكم بل ربما زاد تسييس الأزهر بعد الثورة، أولا بإصداره وثيقة «سياسية» تعبر عن تصوراته للحكم ثم باستخدامه كأداة فض نزاع بين «الإسلاميين» و«المدنيين» عند كتابة الدستور (بالنص على كونه المرجعية الشرعية ومن ثم تحويله لساحة عراك سياسى بين التيارات المختلفة)، ثم بتجليات هذا الدستور متمثلة فى استدعائه لإبداء الرأى فى قضايا حالة شديدة التركيب، كالقروض، والصكوك، والتى حملت آراءه حيال بعضها من السياسة أكثر مما حملت من الأحكام الشرعية.

مرت الطرق الصوفية بمسار مشابه للذى مر به الأزهر، فبعد أن كانت المؤسسة المجتمعية الأوسع انتشارا إبان وصول محمد على للحكم (بانضمام كل المصريين المسلمين لها بحسب كتاب وصف مصر)، بدأ استقلالها يتقلص تدريجيا لتصير هى الأخرى تابعة للدولة، أولا بإصدار فرمانات اعتماد شيخ مشايخ الطرق من قبل الحاكم، ثم بمحاولة ضبط وتحديد أدوارها فى منتصف القرن التاسع عشر، ثم بإصدار لائحة الطرق الصوفية فى 1895 فلائحة 1903 وتعديلاتها 1905 التى نزعت عن الطرق الموجودة وقتئذ شرعيتها، وصار عليها أن تقدم أوراقها للدولة الناشئة طلبا للشرعية، فتغيرت موازين القوة بينهما، ثم صدر القانون 118 لسنة 1976 الذى مأسس التدخل التنفيذى للدولة فى المجلس الأعلى للطرق الصوفية بأن ضَمَّنه أربعة وزراء، ووضع تحديدا دقيقا لنطاق عمل الطرق جعل منح الدولة القدرة للتدخل فيه فى كل لحظة، فكانت النتيجة تسييسا متزايدا للطرق، التى تحولت من المشاركة فى الثورة العرابية وفى حرب التحرير سنة 1948، إلى عقد احتفال فى مسجد الحسين للاحتفال بتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل.

وشملت الدولنة المؤسسات الأخرى، كالأوقاف التى كان تحوز خمس الأراضى الزراعية فى مطلع القرن التاسع عشر، فصدرت الإرادة بإنشاء ديوان عمومى الأوقاف سنة 1835م لإخضاعها إداريا للدولة، ثم منع إنشاء الأوقاف الجديدة سنة 1846م، وألغى الديوان ثم أعيد سنة 1851، وتحول نظارة سنة 1878، وعاد ديوانا سنة 1884، فوزارة سنة 1913، فيما عكس محاولات مستمرة للتدخل فى «نظارة» الأوقاف، قبل التحول للتدخل فى مصارفها، بقانون رقم 48 لسنة 1946 الذى سمح بإلغاء الأوقاف القائمة، ثم القانون 547 لسنة 1953 الذى قصر النظارة على الدولة وانتزعها من باقى النظار إلا لو كان الواقف هو نفس الناظر، ثم القانون 30 لسنة 1957 الذى سمح لوزارة الأوقاف بتغيير المصارف، فصارت المؤسسة الوقفية تابعة للدولة نظارة ومصارف، ونقابات الحرفيين التى بلغ عددها وقت وصول على للحكم 64 نقابة كان لكل منها شيخ وسيط بينها وبين السلطة يقوم على أمورها، فتقلص سلطانها باحتكار الدولة للخامات والتسويق، ثم جمع الحرفيين للعمل بالجبر فى المصانع الحربية، ثم إلغاء صلاحيات شيوخ الحرف فى جمع الضرائب والقضاء والتأديب رسميا فى عهد سعيد، وانتهى الأمر للقوانين الحاكمة للعمل النقابى، والتى أخضعت جل النقابات (خاصة الكبيرة منها) لسيطرة الدولة.

أسرت تلك الدولة المجتمع عقودا قبل الثورة بأدواتها المختلفة (الخوف والسحر)، والسبيل الأوحد لتحرير المجتمع بعدها هو إعادة النظر فى دورها وفى المسارات التى أنتجتها، وإعادة الكرة إلى المجتمع ليكون فاعلا غير مفعول به ولتكون الدولة خادمة له لا مستخدمة إياه.


معدّل (0 أصوات)
blog comments powered by Disqus
المـقـالات الأكـثـر مشاهــدة